الرئيسية / المكاتب / وثيقة السياسية

وثيقة السياسية

الوثيقة السياسية
بعد مرور أكثر من قرن على الاتفاقيات الدولية التي نتجت عن الحرب العالمية الأولى ورسم خرائط جديدة للمنطقة بعيدا عن تطلعات وطموحات شعوبها ومن ثم انتزاع الأنظمة الاستبدادية القوموية السلطة في هذه البلدان الناشئة، انفجرت الأزمات البنيوية والحروب الداخلية في المنطقة من جديد وتمركزت بأبشع صورها في سورية كاختزال لحرب عالمية ثالثة تدار رحاها منذ ستة أعوام، حيث دخلت الأزمة السورية عامها السابع وما زالت آلة الحرب تحصد الأرواح وتنشر الموت والدمار في ظل فشل السوريين في التوصل الى صيغ توافقية وبلورة مشروع سياسي يفضي الى مخرج للنفق المظلم الذي دخلته البلاد على الرغم من عقد عشرات المؤتمرات، ولا يظهر في الأفق المنظور أي توافق لحل الأزمة من قبل القوى الدولية المعنية بالملف السوري، فعنف النظام الاستبدادي والعنف المضاد أدّيا لمقتل مئات الآلاف من السوريين ومثلهم من المفقودين وأكثر من مليوني مصاب ومعوّق وملايين المهجرين، ودمار شبه كامل لمعظم المدن والبلدات والقرى وبناها التحتية.
ونتيجة لما آلت اليه الأمور، ظهر بما لا يدع مجالا للشك أن الحراك الشعبي الذي بدأت شرارته الأولى في أواسط اذار 2011، افتقر لقيادة كفوءة قادرة على توجيه عملية التغيير والتحول الديمقراطي لأسباب عديدة أهمها غياب الرؤية الصحيحة للواقع السوري ولآفاق مستقبله، والافتقار لاستراتيجيات وخطط سليمة لتطوير هذا الحراك مما حولها إلى أزمة معقدة، وكذلك عدم الاعتماد على القوى الذاتية المتاحة مما سمح للتدخلات الخارجية باستباحة السيادة السورية حتى بات الخارج هو العامل الحاسم بل في كثير من الأحيان الوحيد المتحكم في إدارة الأزمة، وانفتحت سوريا بذلك أمام تدخلات لا حصر لها، وتعددت مصادر التمويل لدرجة تمكنت هذه المصادر من استخدام الساحة السورية لتصفية حساباتها ولخدمة مصالحها الاستراتيجية والتكتيكية، وبالتالي توفّرت الأرضية الخصبة لظهور ونمو التيارات الأصولية الراديكالية المتطرفة التي سيطرت فيما بعد على قوى المعارضة السورية الهشّة وغير المنظمة كفاية، بدءاً من القاعدة وجبهة النصرة ووصولا الى داعش كأخطر منظمات إرهابية تطرفية دموية تخوض الحرب باسم الدين ضد كل قيم الإنسانية.
أحداث السنوات السابقة في سوريا والمنطقة أكدت لنا أن الثورة في هذه المرحلة وفي مثل هذه الأوضاع تحتاج دون شك الى نظرية متكاملة واضحة الملامح تجسد روح العصر، وتؤمّن مشاركة الشعوب والمكونات المختلفة بشكل فاعل ومسؤول في بناء نظام ديمقراطي جديد وحمايته وتطويره، وخير مثال على ذلك تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية في روجآفا – شمال سوريا التي حملت على عاتقها مسؤلية إدارة المنطقة في الظروف الصعبة، وأمنت على حياة الناس من اعتداءات الجماعات التكفيرية وغيرها ووفرت لهم سبل العيش رغم الحصار المشدد على المنطقة. الإدارة التشاركية هذه مثلت المكونات الموجودة في المنطقة ووثقت الروابط الأخوية بينها على أساس التعايش السلمي والعيش المشترك، و في ظل هذه الإدارة قدم السوريون أرواحهم فداءا في سبيل بناء حياة حرة وكريمة، فكان ولا زال الكردي والعربي والسرياني الاشوري والتركماني يقاوم جنبا الى جنب في مواجهة أشرس عدوان ويقدم التضحيات بشكل يومي.
إن الحل السياسي للأزمة السورية يفرض نفسه كحل وحيد قادر على أن يضع حداً للمأساة ويفسح المجال أمام كافة مكونات المجتمع لتقوم بدورها المطلوب في سوريا المستقبل على أسسٍ ديمقراطية بغية بناء مجتمع ديمقراطي تعددي ومؤسسات دولة دستورية تعاقدية لا مركزية.
ولأن الأزمة السورية أزمة بنيوية ارتكزت على الدولة القومية الأحادية الصبغة وعلى الاستبداد وانكار الآخر، فلا بد للحل في سوريا أن يتجه نحو اللامركزية والتشاركية والديمقراطية الحقيقية لتمكين جميع المكونات على اختلاف الخصوصيات والرؤى من تحقيق ذاتها في الوطن المشترك الذي يجب أن يحضن الجميع دون اقصاء أو ابعاد أو تحكم أو احتكار أو تسلط، أي لا بد أن يكون وطنا تسوده القوانين العادلة وتديره المؤسسات الديمقراطية التي ستكون الضمانة الدستورية الحقوقية لسوريا المنسجمة مع هذا العصر. وعلى العكس من ذلك فإن الاصرار على الدولة القومية أو فرض المركزية أو هوية خاصة على الدولة سيخدم تقسيم سوريا وتمزيقها.
ان الإصرار على سوريا اتحادية لا مركزية لا يعني الغاء المركز كليا، بل أن المركز سيتحول من كونه أداة تحكم الى وسيلة تنسيق وتوحيد بين جميع الأقاليم التي تشكل الكل، مع احتفاظه بإدارة وظائف أساسية محددة تحمل الصفة الاستراتيجية العامة.
من أجل وقف نزيف الدم السوري وإنهاء حالة التشرذم والتبعثر التي تعاني منها سوريا وقواها السياسية والتي تسببت في هدر طاقات المجتمع السوري، ومن أجل مواجهة الارهاب ودحره واجتثاث جذوره، لا بد من حوار سوري – سوري لإعادة بناء سوريا حرة ديمقراطية على أسس احترام التنوع المجتمعي للنسيج السوري والعدالة والمساواة بين الجنسين واعتبار حرية المرأة هي أساس كافة الحريات. علما ان سوريا لها دور مهم في دمقرطة الانظمة في الشرق الاوسط بأكمله، وهي التي ستحدد معالم أنظمة المئة عام المقبلة، لهذا نعول على سوريا ان تكون ديمقراطية لا مركزية تعددية.
وعليه فإن مجلس سوريا الديمقراطية الذي تأسس في 8-9/12/2015 في ديريك يؤكد على المبادئ التالية :
1- الشعب في الدولة السورية وحدة مجتمعية متكاملة عمادها المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات دون تمييز بين أبنائه، وهو حر وسيد على أرض دولته ويعتز بعمقه الحضاري والثقافي الثري والمتنوع، ويبني دولته على هذا الأساس بمشاركة جميع مكوناته دون تمييز أو إقصاء، وهو متوافق على العيش المشترك والعمل للمصلحة العامة. والشعب السوري كصيرورة تاريخية يعبّر عن التفاعل والوفاق المجتمعي فيما بين شعوب أصيلة في المنطقة من عرب وكرد وسريان آشوريين كلدان وقوميات أخرى كالتركمان والشركس والأرمن ، ولجميع مكوناته الحق الكامل بالتمتع بالحقوق القومية المشروعة وفق العهود والمواثيق الدولية. وبالربط القانوني لتوصيف الشعب هذا مع كيان الدولة السورية فإن الشعب السوري واحد، مع التأكيد على الاعتراف بالتنوع المجتمعي والسياسي .
2- الإقرار بالتنوع المجتمعي السوري والاعتراف الدستوري بالحقوق القومية للشعب الكردي والشعب السرياني الآشوري الكلداني الآرامي والشعب التركماني، والأرمني والشركسي وحل قضيتهم حلاً ديمقراطياً عادلاً وفق العهود والمواثيق الدولية
3- الحفاظ على وحدة الوطن السوري وتشاركيته، وطنٌ لا يحصر نفسه في أثنية ذات لغةٍ واحدة ولا دينٍ واحدٍ، بل وطن متعدد اللغات والقوميات والأديان تسوده الروح الوطنية بناءً على الارتباط بالأرض والأيكولوجيا والتقدم، بعيداً عن الشوفينية والعرقية.
4- الانتقال من حالة الاستبداد السياسي والذهنية الشوفينية والنظام المركزي والدولة القومية إلى نظام اتحادي ديمقراطي لا مركزي. فمن المحال أن تكون الدولة قوميةً وبنفس الوقت ديمقراطية، فطبيعة الجمهورية كدولة قومية هو عامل أساسي في الإقصاء والقضاء على الخصائص الديمقراطية للمجتمعات. وإذا ما تم اسقاط التنوع الثقافي على الواقع السياسي في سورية سنرى بأن مبدأ الحل الديمقراطي ينسجم مع نموذج الجمهورية الفيدرالية الديمقراطية السورية كنظام سقفي جامع لكل الفيدراليات وذلك بوصفها نظاما قانونيا ديمقراطيا لكافة المواطنين، وبذلك يكون قد تم احتواء جوهر مبدأ الأمة الديمقراطية، وبحسب إرادة المكونات المجتمعية يمكن ان تتواجد عدة مناطق فيدرالية.
5- من أجل تكريس مبادىء الديمقراطية والعلمانية لا بد من دستور ديمقراطي توافقي الذي يعتبر الضامن الذي يوحد بين الفيدراليات ضمن الوطن المشترك.

6- محاربة الجماعات التكفيرية بمختلف مسمياتها ومناهضة ثقافة التطرف بكافة أشكاله، ودعم قوات سوريا الديمقراطية لإكمال تحرير المناطق السورية من سطوة الارهاب وقوى التطرف.
7- اعتبار حرية المرأة هي أساسٌ وضمانةٌ لكافة الحريات. ومن أجل القضاء على الممارسات اللاديمقراطية والغير عادلة التي تتعرض لها المرأة، هناك حاجة إلى مواد دستورية تضمن مساواة المرأة والرجل في جميع مجالات الحياة، لذلك فإن المشاركة الفعالة للمرأة في عملية صياغة الدستور الجديد في سورية يعتبر من الأمور الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها.
8- اعتبار التمثيل بالمناصفة بين الجنسين في كافة مجالات الحياة مبدأ أساسيا لتحقيق الحياة العادلة الحرة في المجتمع السوري. وضمان ذلك في الدستور.
9- تبنّي سياسة اقتصادية تحمي المجتمع والبيئة من التأثيرات الاحتكارية وتغطي احتياجات المجتمع وتحقق التوزيع العادل للثروات التي نملكها كسوريين. والقضاء على ظاهرة البطالة بحيث يتم تأمين العمل لكل فرد.
10- يعتبر حق ممارسة كل شعب للغته وثقافته في كافة المجالات من الحقوق الأساسية للانسان، لذلك يعتبر ضمان التعليم باللغة الأم في الدستور الجديد للجميع ( العرب، الكرد، السريان الآشور، الأرمن، التركمان، الجركس، الجاجان ) أمر أساسي لا بد منه ويقوي النسيج الاجتماعي والثقافي للمجتمعات السورية ويفتح الطريق أمام وحدة طوعية بين جميع المكونات.

11- الدفاع الذاتي قضية جوهرية ترتبط بوجود الشعوب والهويات الاجتماعية والثقافية في سوريا، والحياة المجرّدة من الدفاع الذاتي تنتهي بمآسي وكوارث على المجتمعات وتعرضها للإبادة. لذلك فإن ضمانة الدفاع الذاتي للمجتمعات ضرورة حتمية من أجل تأمين حياة حرة متساوية وعادلة.
12- الشباب قوة فاعلة في المجتمع يجب تمثيلهم في النظام الديمقراطي المنشود تمثيلا حقيقيا وازنا، وهم طليعة لعملية التغيير الديمقراطي، لهذا يعتبر الاهتمام بهم واعطائهم الحق في التمثيل والعمل في مجالات الحياة مبدأ من مبادئ الحياة الحرة.
13- ضمان حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة وبشكل خاص ضحايا الحرب المدمرة التي عاشتها وتعيشها سوريا خلال سنوات الحرب.
14- اعتبار المقاتلين القدامى من احد القيم المعنوية للثورة مما يتطلب رعايتهم وضمان حقوقهم في حياة كريمة لائقة.
15- حماية الطفولة ووضع مشاريع خلاقة لإنقاذ أطفال سنوات العنف من تبعات التهجير والعسكرة والأمية، وحماية حقوق الطفولة حسب القوانين والأعراف الدولية.
16- العدالة الاجتماعية ضمان للسلم الاجتماعي والتنمية المتوازنة.
17- اعتماد مبدأ حسن الجوار والعلاقات المبنية على أساس المصالح المتبادلة كمبدأ للحفاظ على امن الوطن.
18- التأكيد على وحدة الأراضي السورية.
19- الشهداء هم القيم المعنوية للثورة والمجتمع، احياؤهم في ذاكرة المجتمع والتاريخ يعني الحفاظ على الثورة، الاهتمام بعوائلهم ورعايتهم واجب أخلاقي.
مبادئ مجلس سوريا الديمقراطية ومنطلقاته الأساسية هي مشروع سياسي وطني ديمقراطي سوري يعمل على ضم كل المكونات المجتمعية والكيانات السياسية في هذه المرحلة الاستثنائية المصيرية من اجل تحمل مسؤولياتهم في انقاذ وطنهم من المأساة التي يعيشها وتحقيق تطلعات شعبهم في التغيير الشامل وبناء النظام الديمقراطي البديل. كما ان مجلس سوريا الديمقراطية هو المشروع الذي سيقوم بتوحيد سوريا وانقاذها من حالة الانقسام التي اصابتها خلال الأعوام الماضية. وهي المظلة السياسية لقوات سوريا الديمقراطية، القوات التي قدمت التضحيات ولا تزال .