الرئيسية / مقالات / الشرعيّة السّوريّة بين عين عيسى ودمشق

الشرعيّة السّوريّة بين عين عيسى ودمشق

محسن عوض الله

لم يكن مؤتمراً عاديّاً، ولا يمكن وصفه بمجرّد اجتماع، بل هو استفتاء شعبيٌّ يدشّن لمرحلة جديدة ومفصليّة في تاريخ سوريّا، ويسحب ما تبقّى من شرعيّة حكومة دمشق، التي فقدت شرعيّتها، بعد تورّطها في استهداف وقتل السّوريّين وسماحها باحتلال الأرض السّوريّة.

عن مؤتمر العشائر السّوريّة الذي عقد في الثالث من الشهر الجاري(3 أيار /مايو) بعين عيسى أتحدّث، ذلك المؤتمر الذي شارك فيه أكثر من 5000 آلاف زعيم عشيرة سوريّة، بحسب بيان رسميّ لمجلس سوريّا الدّيمقراطيّة الجهة المنظّمة للمؤتمر.

رسائل عديدة حملها المؤتمر، ربّما أهمّها إدراك العشائر السّوريّة للدّور الوطنيّ الذي تقوم به قوّات سوريّا الدّيمقراطيّة وجهودها في محاربة الإرهاب وحماية الأرض السّوريّة.

لم يَأبَهُ زعماء العشائر السّوريّة بالدّعاية السلبيّة التي يبثّها النظام السّوريّ عن سوريّا الدّيمقراطيّة والاتّهامات الباطلة التي يحاول لصقها بها، ولم ينخدعوا بالأكاذيب التركيّة ومحاولات أنقرة المستمرّة تشويه صورة الأكراد منذ اندلاع الحرب، واستجاب الآلاف من زعماء العشائر للدّعوة؛ رغبةً منهم في استعادة سوريّا، وحرصاً على وطن باعه النظام لحلفائه مقابل البقاء في السّلطة، وعلى أرض تنازل عنها نظام البعث للرّوس والإيرانيّين والأتراك.

أعترفُ أنّي لم أهتمُّ بالمؤتمر وقت انعقاده بالشكل الكافي، ولكن دفعني البيان المنسوب لوزارة الخارجيّة السّوريّة حول مؤتمر العشائر السّوريّة الذي نظّمه مجلس سوريّا الدّيمقراطيّة للبحث عن طبيعة ذلك المؤتمر، وماذا دار فيه، والتوصيات التي خرج بها.

يكفي أن نقرأ البيان الختاميّ والتوصيات الصادرة عن المؤتمر لتدرك أهميّته، والدّور الذي يمكن أن يلعبه في حلّ الأزمة السّوريّة التي دخلت عامها التّاسع. بحسب البيان الختاميّ للمؤتمر؛ فقد أكّدت العشائر السّوريّة أنّ أحد أهمّ العوائق والتحديّات في ديمومة الصراع والأزمة السّوريّة تعود إلى استبعاد وتغييب قوى الحلّ الفاعلة وممثّلي مشروع الحلّ النهضويّ المتمثّل بجانب كبير منه بالإدارة الذّاتيّة.

ودعا المشاركون إلى وحدة تراب سوريّا وسيادة شعبها وإنهاء كافّة الاحتلالات التركيّة للمناطق السّوريّة بجرابلس وإعزاز والباب وإدلب، وعلى تحرير عفرين وعودة آمنة ومستقرّة لشعبها، مع تأكيدهم على العزم في تأسيس سوريّا تتّسع لجميع أبنائها ومن مختلف فسيفسائها، في ظلّ دولة لا مركزيّة ونظام سياسيّ ديمقراطيّ مستقرٍّ.

وشدّد المشاركون على أنّ دَمَ السّوريّ على السّوريّ حرامٌ، مؤكّدين على أنّ أيادينا ممدودة للسّلام وبنادقنا موجّهة فقط لمن يتربّص بأمننا وسلامنا وعيشنا المشترك وأخوّة التكوينات المجتمعيّة السّوريّة.

بيان ولا أروع، يعبّر عن فَهمٍ عميقٍ لطبيعة الأزمة وسبل الحلّ، بصورة تجعل من المؤتمر والمشاركين فيه أشبه ببرلمان سوريّا الجديدة، أو لنقل برلمان شمال وشرق سوريّا، في ظلّ رؤيتهم لسوريّا المستقبل دولة لا مركزيّة.

توصيات، أراها تحمل الخير لسوريّا وشعبها، وتنهي حمّام الدَمِ الذي غرق فيه الآلاف السّوريّين منذ 2011 حتّى الآن، وتضع إستراتيجيّة واضحة تجاه القوى المحتلّة لسوريّا وشعبها.

هذا المؤتمر الذي يحمل طَوقَ نجاة سوريا لسوريّا من حالة التيهِ السياسيّ والعسكريّ، ويضع بوصلةً واضحةً لمستقبل الأرض التي شبعت من دم أبنائها، ويمثّل شرعيّة جديدة تفوق بمراحل ما تبقّى من شرعيّة حكومة دمشق ونظام البعث، إن كانت لهم شرعيّة من الأساس.

كان طبيعيّاً أن ترفض حكومة دمشق المؤتمر، رغم أنّه من المفترض – إن كانت تلك الحكومة تحمل ذرّة من الوطنيّة – أن تكون الأكثر سعادةً بمثل هذه التجمّعات التي تُنهي الحرب بالبلاد، ولكن هيهات..!! فحكومة  ونظام البعث لا يهمّهما سوريّا ولا شعبها.

بكلمات قويّة لم نعتدها من نظام البعث وبعبارات تخوين ليست بغريبة على الأزمة السّوريّة، وصفت حكومة دمشق مؤتمر العشائر السّوريّة بأنّه التقاء العمالة والخيانة، زاعمةً أنّ مثل هذه التجمّعات تجسّد بشكل لا يقبل الشكّ خيانة منظّميها، وأنّهم لا يعبّرون عن أيٍّ من المكوّنات الوطنيّة الشريفة!

بيان شديد اللّهجة، لم نسمعه من حكومة دمشق، التي لم تحرّك ساكناً وهي ترى الوجود العسكريّ التركيّ يتمدّدُ بالأرض السّوريّة، لم ينطق بشّار ولا حوارييه وهم يشاهدون الجدار العازل الذي تنشئه تركيا حول مدينة عفرين المحتلّة لضمّها للسيادة التركيّة، في تكرار واضح لسيناريو لواء إسكندرون الذي كان سوريّاً حتّى انتزعته تركيّا وضمّته لسيادتها في ثلاثينات القرن الماضي.

لم يجد بشار في تركيّا وميليشيّاتها خطراً على سوريّا، ربّما لتشابه سياسة الطرفين، واعتمادهم إستراتيجيّة الارهاب والميليشيّات المسلّحة لتحقيق مصالحهم من الأزمة، لا يهتمُّ النظام السّوريّ بالحفاظ على سوريّا الأرض والوطن والتّاريخ قَدَرَ اهتمامه بالحفاظ على سلطة زائلة لن تحميه من محاكمة قادمة طال الزمن أو قَصُرْ.

الموقف الرّوسيّ لم يختلف عن حليفه السّوريّ، ففي الوقت الذى غضّت موسكو الطَرْفَ عن جدار تركيّا العازل بعفرين وخُطَطِ أنقرة لاقتطاع المدينة من السّيادة السّوريّة – بحكم أنّها لم تسمع عنه أو تراه كما أعلن ذلك السيّد لافروف – في حين شنّت موسكو هجوماً شديداً على مؤتمر العشائر، واعتبرته محاولةً “لتقويض منصّة أستانا ويهدف لتقسيم البلاد وتنتهك مبادئ الأمم المتّحدة الخاصّة بالحفاظ على وحدة الأراضي السّوريّة وسيادة دولتها بما في ذلك تلك التي ينصّ عليها القرار رقم 2254 الصادر عن مجلس الأمن”.

الطريف في الأمر أنّ القرار 2254 الذي تتحدّث عنه موسكو وتعتبر أنّ مؤتمر العشائر ينتهكه، يتحدّث عن منصّة جنيف كحلّ للأزمة السّوريّة، في حين أنّ موسكو أوّل من انتهكت القرار وأنشأت منصّتي سوتشي وأستانا لمواجهة جنيف وإضعاف دورها!

ختاماً؛ يجب التأكيد على أنّ نجاح مؤتمر عين عيسى لا يجب أن يتوقّف على مرحلة التنظيم، بل يجب متابعة تنفيذ توصياته، والعمل على تحويله لتجمّع رسميّ معبّر عن شعوب شمال وشرق سوريّا بصورة تجعل منه طرفاً مقبولاً في أيّ مفاوضات قادمة حول مستقبل سوريّا.

 

الكاتب محسن عوض الله:

كاتب صحفي مصري متخصص فى الأزمة السورية والقضية الكردية

تنويه:  المقالة نشرت في مواقع أخرى وهي تعبر عن رأي الكاتب.