الرئيسية / مقالات / الدستورية السورية والممشى مقلوباً

الدستورية السورية والممشى مقلوباً

بقلم: سيهانوك ديبو

المآزق تشبه الدوائر. لا تسلم عناصر المأزق وغير ممكن لها أن تتلمس الأمان حتى إنْ قفزت خارج دائرته. على العكس؛ تصبح مأزومة أكثر إلى درجة الالتصاق بالمأزق نفسه؛ فتتخبط في تفاصيله. لتكون في نهاية المطاف أمام حالة سيامية عصية على الانفصال. صحيح أن سوريا اليوم في أزمة لكن تبدو مقارنتها وأزمة إيران أقل، ولكن أيضاً تبدو الأزمة السورية أمام الأزمة التركية بالأمر الأقل تعقيداً. لقد أحرقت سوريا كثرة الطباخين المتدخلين فيها وأحرقتهم في الوقت نفسه، حريق سوريا آيلٌ إلى حريقهم؛ وإنْ كان خامداً. فنرجع مرة أخرى إلى نتيجة إن لم نقل قاعدة تبدو أكثر ثباتاً في ظل اجتياح المؤقت من الحلول؛ وأن بداية الشرق الأوسط في القرن العشرين كانت المتعثرة. وعوض أن تتحول إدارة المجتمعات في الشرق الأوسط إلى الشكل الإداري الأنسب لها فقد فرض عليها خرائط مستحدثة تئن –ما تزال- تحت وطأة شكل الدولة القومية المركزية الذي بات بمعالم غياب مكونات الجغرافيات بمنأى وتغييب عن مشاركة السلطة؛ ليظهر التسلط وزمر الاستبداد صاحب العلاقة الوثيقة ومطبخ نظام الهيمنة العالمية، تلك التي استحدثت واستشرفت الخرائط والزمر. النتيجة: ما نزال نعيش تداعيات الحرب العالمية الأولى رغم انقضاء القرن عليها، وفي ذلك التحولات جارية.
الدفع بالوهم، والممتهن بتجميل قبوله؛ لا يقل مسؤولية عن الرصاصة التي تقتل والديناميت الذي يهدم. كل ما أَنِف على خط واحد من المسؤولية؛ إن لم نقل بأن نصيب الدافع بوهم الحلول أكبر من صنّاع الأزمة نفسهم والمتورطين بها. في الأزمة السورية المثال على ذلك. وفي تفصيل ما يسمى باللجنة الدستورية دليل دامغ على ذلك وبشكل أكثر وضوحاً. لكن كيف؟
للأزمة السورية –مثال الأزمة الكلية في الشرق الأوسط- مرتكزات؛ وحلّها يتطلب جملة مبادئ. هذه المبادئ تُنْتَجُ بالضرورة عن رعاية أممية لعملية تفاوض فعّالة ما بين الأطراف السورية المؤثرة في إحداث الحل وصناعة سورية نحو الجمهورية الثالثة. من تأسيس سوريا الحديثة وحتى انقلاب البعث كانت بالجمهورية الأولى على الرغم من التحولات التي شهدتها سوريا في تلك الفترة، والجمهورية الثانية هي اسقاط الأولى في انقلاب البعث عام 1963، أما حراك سوريا الشعبي في منتصف آذار 2011 فمن المهم أن تكون مخاضات للجمهورية الثالثة. لكن هذه الثالثة من الصعوبة أن تحدد انطلاقتها المسمى باللجنة الدستورية، ولا يمكن بها أن يكون بداية حل الأزمة السورية أو حتى إحداث اختراق فيها. بعكس ذلك فإن نتيجة ما تظهر على طاولة المفاوضات الحقيقية –حين تشرّع- ما بين أطراف سوريا الفاعلة من الممكن تسميتها بمبادئ حل الأزمة السورية أو بالإمكان تسميتها بالمبادئ فوق الدستورية التي تنتهج منها الدستور السوري الديمقراطي التوافقي وتنتظم حوله، خلاف ما يعرف باللجنة الدستورية التي تظهر هذه اللحظات وتفتقر حظوظ نجاحها وفي الوقت نفسه فإنها تعتبر أكثر هزيمة المحسوبة بالمعارضة السورية لصالح أول مكسب سياسي للنظام منذ اندلاع الحراك الشعبي السوري آذار 2011 وتحوله اليوم إلى الأزمة السورية والمأزقين الإقليمي والدولي في سوريا. غابت أغلب الأطراف الفعالة السورية عن صنع الحل، والذي بقى هو المزيد من الرعاية الدولية المستطالة إلى حد الإملاء؛ إلى حد التحكم بمختلف التفاصيل في مثال أغلب ال 150 سمّوا أعضاء اللجنة الدستورية. أي أن سوريا تعيش في عين الانتدابات والتداخلات، وما تزال تركيا الأردوغانية الملتصقة معها من التنظيمات الجهادية والجماعات المسلحة تحتل نحو 10% من الجغرافية السورية، وتركيا هنا الضامن والمحتل والدولة غير الطبيعية ليس فقط حيال سوريا إنما المنطقة برمتها، علاوة على أنها المأزومة داخلياً، وأزمتها الداخلية ومأزقها الواضح سبب لتدخلاتها واحتلالها وبالعكس.
وبالعودة إلى هذه اللجنة الدستورية فإنها تشبه كمن يمشي على يديه. مردّ ذلك غيابين؛ أولاهما ضبابية مهمة هذه اللجنة، وثانيهما لأنها تومئ إلى أنها من تنهي الأزمة بدل أن تنتجها ديالكتيك خلّاق للتفاوض من أجل حل الأزمة السورية التي هي بالفعل أزمة بنيوية معرفية سياسية يلزمه دستور جديد ديمقراطي. دستور يقر بوجوب ميكانيزم معين ليس بالستاتيك كما المتخذ بلزوم 75% لجعل قرار. الدساتير لا تخضع لشكلية الأٌقلية والأكثرية. إنها طريقة جيدة في اتباع أنماط إدارية معينة. فمثل هذا الستاتيك يحوِّل الدستور إلى كتلة متحجرة فإعادة انتاج الأزمة حتى انفجارها في وقت آخر. هكذا تُنحر الشعوب وتُجز رقاب ثقافاتها، وتبقى وحيدة مع آمالها المالحة.
ولنرى أيضاً بأن الدستور الذي أصله يتألف من كلمتين مدموجتين ده ست: اليد، ووار: الحيّز والمكان، وأقرب معانيها الاصطلاحية تعني القوة المسيّرة لمكان معين. وكمدلول واستعمال يعود بغالبه إلى مرحلة الامبراطورية الميدية التي تألفت ذات نهضة شرق أوسطية من 23 فيدرالية بمساحة تفوق ثلاثة مليون من الكيلومترات المربعة؛ فنجد بأن أحفادهم الكرد غيّبوا من هذه اللجنة بعد أن استبعدوا من 21 اجتماع مخصوص بحل الأزمة السورية تتقاسمها جنيف وآستانا. ليس هم وحدهم إنما قوى الأمل السوري الديمقراطية من مختلف تكوينات سوريا وشعوبها أقصوا من هذه اللجنة لتبدو علاوة على أنها تمشي على يدها فإنها مجرد حركة جمباز أريدت من قبل قوى التدخلين الإقليمي والدولي. لكنها وهم السراب.
ليس هو الفشل وحده ما ينتظر هذه اللجنة التي تفتقد أن تتحول إلى نقطة بداية الحل جرّاء غياب نواة الكتلة التاريخية السورية مجلس سوريا الديمقراطية المظلة السياسية لقوات سوريا الديمقراطية القوة الأكثر فاعلية إنْ في التصدي لمرتزقة داعش أو في صناعة نموذج حل سوريا المعافاة، وسوريا الاستقرار الموحدة من خلال تغييرها من مركزية إلى لا مركزية ديمقراطية في نموذج الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، إنما نظام العالم السياسي الحديث يحتاج إلى تغيير جذري. وإلّا فهل من المعقول أنه بمستطاع العالم تحمّل ألم الطغاة لشعوبهم وفيما بعد اعتلائهم منصة الجمعية العامة؟ بالذي حدث في دورتها الأخيرة وتحاضر المستبدين أمثال أردوغان في الأخلاق وفي السلام والخير. لقد صوّر نفسه بنفسه في أن خط الأخلاق يمر من تحت إبطه. ألم يُسمِع رئيس تركيا أردوغان شعوب العالم عن الأخلاق والجمال وادعاءاته المستمرة بمساعدة السوريين، ونجدة نازحيها؟ لكن الجميع يعلم بأنه اللحظة مركز الخطر في الشرق الأوسط والعالم، ولا يتوانى فعل أي شيء للوصول إلى غاياته التدميرية. بالرغم ذلك صفقوا له.
هذا العالم آهل إلى التغيير أو آيل إلى السقوط. إن ظلّت هذه اللجنة تمشي على يدها أو افتضح أمرها في أنها تمشي بأرجل الآخرين.