الرئيسية / مقالات / سبعة أيام هزت العالم

سبعة أيام هزت العالم

بقلم: سيهانوك ديبو

قد كان يكررها مرة أخرى فيما لو رأى جون ريد صاحب كتاب (عشرة أيام هزت العالم) بالذي يحدث اللحظة في روج آفا وشمال سوريا من مقاومة تاريخية تقوم بها قوات سوريا الديمقراطية المشكلة من الكرد والعرب والسريان الآشور والأرمن والتركمان بالضد من العثمانية الجديدة؛ مستبدلاً إياه بسبعة بدلاً من عشرة.
الأنظمة التركية أنظمة حاقدة. ناموسها الانتقام. ومن يتملكه الحقد والانتقام لا يصلح لحظة للبناء وللعمران البشري وللعلاقات المتوازنة؛ لذا يسقط من دوران التاريخ. حينما يختار سلطان العثمانية الجديدة تاريخ التاسع من تشرين الأول أكتوبر لغزو شمال سوريا فإنه يتقصد بأن يكرر التاريخ ظناً منه بأن زنبرك التاريخ في يده. هو الباغي في ضرب حتى ذاكرة الشعب الكردستاني حينما تكالبت الأمم في إخراج أحد أهم رموز الشعب الكردستاني السيد عبدالله أوجلان من سوريا بتاريخ 9 اكتوبر تشرين الأول 1998 حتى اعتقاله في نيروبي منتصف شباط فبراير 1999. لكن التاريخ إنْ كرر نفسه فيعني أنه لم يتحرك بالأساس. علماً بأنه لا يوجد وغير مسموح للتاريخ أن يتوقف. تقصّد العثماني التاريخ نفسه وفي ظنه هذه المرة أنه سيكتب إبادة الكرد وشركائهم التاريخيين العرب من خلال طائراته الحربية والدبابات والقنابل الفوسفورية؛ هو ثاني أكبر جيش في الناتو؛ عاشر جيش في العالم، معه 70 ألف من مرتزقة جمعهم واستخدمهم أكثر مرة وشغلهم بوظائف متعددة: في داعش والنصرة والتركستاني وحراس الدين وغيرها، لكنها كلها تنظيمات فاشيّة، ولكن –أيضاً- قرار المقاومة المتخذ من قبل قوات سوريا الديمقراطية بعد ممارسة أشهر من الدبلوماسية؛ جلّها كانت الوقائية، وبذل كل جهد لتجنب المنطقة حرباً عبثية يكون منها النظام التركي نفسه بالأشد خسراناً على المنحى الاستراتيجي. سوى أن النظام التركي ركب رأسه كما يقال في المثل الكردي. ومن يركب رأسه يقصم ظهره. شأن أردوغان في ذلك كمثل كل طاغية عديم بما حدث في التاريخ، وكمثل كل طاغية في إنه الاستثناء. بالأساس التاريخ يبدأ عند العثمانية الجديدة في 24 أغسطس آب 1516. اليوم الأسود في تاريخ الشرق الأوسط والعالم؛ يوم ظهور أكبر مسخ سياسي في العالم وتفشي الظلام مخيّماً أربعة قرون وعامين. عند أردوغان التاريخ يبدأ من هناك، ويستمر من عنده.
إن البشرية؛ ليس فقط شمال سوريا؛ وفي اليوم السابع من مقاومة قوات سوريا الديمقراطية ضد العثمانية الجديدة هزت الكرة الأرضية وجعلتها مرة أخرى تدور حول الشمس وحول نفسها بدلاً أن تتخبط في بحر صفقات نظام الهيمنة العالمية. من في باله أن ينسج صفقة فليتممها بعيداً عن سحق الشعوب. هذه المقاومة أعادت لكل العالم وعيها وحس ضميرها باستثناء بعض من يعيش في الحفر؛ هؤلاء بالأساس لا ينطبق عليهم كمن يعيش فوق سطح الأرض. نقصد تماماً إمارة قطر الممول الأساس لتنظيم إخوان المسلمين العالمي وعموم جماعاتها المسلحة، والداعم الأساس لأمير هذا التنظيم ورئيسها التنفيذي السلطان أردوغان. وقف العالم كله: الجامعة العربية بدور ريادي لجمهورية مصر والمملكة السعودية والإمارات المتحدة استنكرت الغزو العثماني ودعت على الفور إلى اجتماع عاجل وضعت فيها استراتيجية واضحة للتصدي لهذا العدوان. مسؤولية القاهرة كانت كبيرة في ذلك؛ حين استقبل وزير خارجيتها السيد سامح شكري وفد مجلس سوريا الديمقراطية –بشرف كبير كاتب هذه الكلمات من بينهم- قبيل انعقاد الاجتماع نحو 30 دقيقة: مشروعة هي مقاومة قوات سوريا الديمقراطية، وأنقرة تغذي الفوضى والإرهاب، وتتحين الفرصة لاحتلال عموم المنطقة؛ كأبرز نقاط الاجتماع وللجامعة أيضاً. كما أن الاتحاد الأوربي يقف بمسؤولية الضد من هذا العدوان؛ فدول الاتحاد تعلم بأنها تحت مرمى العثمانية الجديدة ومبتزة من قبل سلطانها لأكثر من تسع أعوام هي عمر الأزمة السورية.
لمجلس الأمن خمس أعضاء أساسيين؛ هم السحرة الخمسة (مقتبس الفكرة من فيلم سيد الخواتم)، سوى أن اثنين منهم يمتلكون السحر الأكبر في الوقعة السورية: الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا. منسقان بشراسة مع بعضهما بالرغم من خلافاتهما واختلاف أجنداتهما، ويحتكمان على طول الخط بخطوط ساخنة لمنع التصادم؛ ليس فقط من ناحية طيرانهما الحربي؛ إنما في كل شيء. يبدو أن من يوحي لهما وبهما ومنهما يحرص أن لا تتقابل عصييهما؛ مسموح لها أن تتوازى لا أن تتقابل أو تتضاد. ترعي روسيا اللحظة تفاهماً عسكرياً ما بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية؛ من المفترض أن لا تنتهي الأمور عند انتشار كامل للجيش السوري برفقة قسد على كامل الحدود السورية؛ إنما تكون الحلقة الأهم في سلسلة من حلقات التفاهم يقر منها دستورياً الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا، في جانبه وبموازاته أن تمثل مجلس سوريا الديمقراطية 30% من اللجنة الدستورية التي تشكلت في 24 أيلول سبتمبر الماضي والتي يحرقها أردوغان بنيران قصفه على المدنيين في شمال سوريا، وتضيع تماماً تحت وقع نحو 300 ألف نازح من جبروت أردوغان بينهم 90 ألف طفل يفترشون ما تيسر لهم من رحمة الله. أما واشنطن فإن سلوكها المتبدل أو المعدِّل فلا يفهم إلّا أنه دفع الطاغية نحو المستنقع أو إنزاله على رأسه بعد أن صار في أعلى الشجرة. الأٌقرب من هذا الشكل: مستنقع الطاغية صدام والقبض عليه في حفرة حفرها بنفسه بعد أن أحرق الكويت.
هل نعلم اللحظة بأن السلطنة العثمانية لم تكن في أضعف حالاتها حينما انهارت؟ من المفترض أن نعيد النظر في كل شيء مكتوب يخص تاريخنا وتاريخ غيرنا، وبأن السلطنة العثمانية لم تكن الرجل المريض وإنما تملكها سلطان بنفسية مريضة وارتكب الجنوسايد بمليون ونصف المليون أرمني وحوالي المليون من السريان الآشوريين، وأكثر من مليون كردي تم نحرهم في القرن العشرين من وقت قبيل انهيار العثمانية حتى ظهور الجديدة منها.
أغلب الظن بأن أردوغان اللحظة فقد الجهات ولا يمكنه الاستدارة، يحرص –ربما- السحرة على أن يكون فمثل أردوغان غير قابل للتكرار كثيراً، وهو الذي ينفذ بدقة ويزيد تدمير البلدان والأوطان؛ إنه بؤرة الحريق كي تظهر قوى أخرى بأنها من أطفأت الحرائق. لكن؛ في مقاومة قوات سوريا الديمقراطية وشعوب شمال سوريا تم احراق كل أوراقه، وهو يبدو اليوم كمجرم حرب تتهيأ له لاهاي وتستعد لمحاكمته بعد إجماع العالم بأنه القاتل.
كل الاعتقاد بأن مجلس سوريا الديمقراطية سيستمر في مهامه كي يتحول إلى مركز جذب وطني لكل القوى الوطنية الديمقراطية في سوريا، ولن ينسى حين تبدأ العملية التفاوضية البنّاءة بأن يصر على أن يكون أحد راعيي الحوار السوري السوري من البلدان العربية؛ لأن مجلس سوريا الديمقراطية بقدر ما يؤمن بأن حل القضية الكردية مدخل أساس لسوريا آمنة وشرق أوسط آمن ومستقر فإنه يؤكد بأن سوريا جزء من محيطها الإقليمي والعربي والدولي. وفي ذلك فإن البعد الإقليمي للحل السوري لا يقل أهمية عن رعاية الحوار السوري من قبل أعضاء مجلس الأمن (السحرة الخمسة).

 

ملاحظة: نقلاَ عن مجلة الأهرام العربي المصرية