مجلس سوريا الديمقراطية

عودة داعش وتقاطع المواقف بين أنقرة ودمشق

ما من أحد يمكن ان تخونه ذاكرته وينسى “الباغوز”، حيث تم القضاء على آخر معاقل داعش في شمال وشرق سوريا، وبالتالي القضاء على نفوذه كقوة مهيمنة في المنطقة، والذي شكل منعطفا مليئاً بالتساؤلات أهمها: هل انتهى داعش بشكل نهائي؟ ام هناك عودة جديدة له؟!

و الاحداث الأخيرة في مدينة الحسكة، والهجوم العنيف الذي شنه داعش على سجن الصناعة في غويران، والذي يُحتجز فيه حوالي 3500 من ارهابيي داعش فتح الطريق امام تساؤلات عدة، هل من الممكن ان يعيد داعش قوته وسيطرته من جديد؟ هل يمكن ان يضم أعضاء جدد اليه وان يجند أعضاء ينفذون تعليمات التنظيم؟

ما الرسالة التي يرغب داعش في ايصالها؟ وهل نجح في ذلك؟

داعش الذي هزم في الباغوز في ربيع 2019 على يد قوات سوريا الديمقراطية وبمساندة ودعم من التحالف الدولي لمحاربة داعش، عاد من جديد اليوم وبشكل جديد، حيث لا يمكنه فرض سيطرته على المدن، وانما عاد بحيث يثير البلبلة والقلائل وينشر عدم الأمان وعدم الاستقرار، من خلال انتهاج أسلوب جديد للقتال أسلوب “العصابات والاستنزاف”، وهذا ما يتبعه في سوريا والعراق على حد السواء. حيث لم يعد بإمكانه العمل والتنقل بشكل مجموعات كبيرة والسيطرة على المساحات الجغرافية وفقط يريد ان يوصل رسالة انه ما زال موجودا وانه من الصعب ان ينتهي.

في شهر كانون الثاني من العام الحالي، تزامن هجومين كبيرين لداعش مع بعضهما البعض، الهجوم الاول في ديالى العراق، والهجوم الاخر في الحسكة على السجن الذي يحتجز فيه ارهابيي داعش ومن ضمنهم عدد من القادة وامراء داعش.

هذا الهجوم الذي صنفه الخبراء والمحللين بأنه من أعنف الهجمات التي قام بها التنظيم منذ ان فقد سيطرته على المنطقة قبل ثلاث سنوات. فالتنظيم الذي فقد سطوته وهيبته وقوته الفعلية (المعنوية والمادية) في جذب أعضاء جدد اليه او تجنيد أعضاء جدد، يحاول بكل قوته ان يحرر أعضائه المحتجزين والذين يشكلون القاعدة الأيديولوجية له ليكثف من نشاطاته، هذه النشاطات التي باتت تستهدف المدنيين أيضا، وليس أنظمة الحكم او القوى العسكرية فقط، فالمتابع لعمليات داعش خلال السنة الماضية، يرى انه يستهدف المناطق المدنية والنساء والأطفال ويقوم بعمليات اختطاف المدنيين كرهائن وطلب الفدية مقابلهم والقيام بعمليات ابتزاز في المنطقة.

والمتابع للوضع يجد انه قد تزامنت تقارير عودة داعش، مع ما أعلنه قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال كينيث ماكنزى، في السابع من شباط 2021، أمام مؤتمر معهد الشرق الأوسط، من أن “تنظيم داعش سيستمر وربما يتطور حال عدم مواجهته”، وحذر من ظهور جيل جديد من الموالين للتنظيم من خلال انتشار أفكاره في أماكن احتجاز أعضاء التنظيم بسوريا والعراق. وها هو قد عاد ولكن هل عاد بقوته الذاتية ام بدعم من الدول الجوار والقوى الأخرى الموجودة على الأرض؟!

 

موقف النظام

حكومة دمشق المتعنتة في مواقفها تجاه الازمة السورية وما آلت اليه، لا تدخر أي جهد في سبيل الضغط على الإدارة الذاتية وافشالها لو كان عن طريق عودة داعش. فما ان بدأ الهجوم على سجن غويران، بدأ الجيش السوري (الذي هزم في مواجهة داعش في الأماكن التي تسيطر عليها) بالانسحاب من مناطق التماس مع مناطق الإدارة الذاتية مثل منطقة الرصافة في الرقة لتسهل على داعش الدخول الى تلك المنطقة والقيام بالتفجيرات والعمليات الانتحارية.  ناهيك عن استخدام دائرة الحرب الخاصة، بغرض تشويه ما تقوم به القوات الأمنية في شمال وشرق سوريا والتحالف الدولي في الوقوف بوجه الهجوم الأخير لداعش الإرهابي، حيث وصفته سلطة دمشق بانه استهداف للمدنيين، علما انه من اللحظات الأولى نبهت هذه القوى الأمنية لشمال وشرق سوريا أهالي المنطقة الى خطورة الوضع وفتحت لهم الطريق الآمن للخروج من المنطقة حفاظا على امنهم وامانهم.

تحركات الجيش السوري ومواقف إعلام السلطة ومسؤوليها، لا يدع شكا بانها المستفيد أيضا من هذه الهجمات لتقويض الإدارة الذاتية والمدنية، وسعت الى دعمه ان لم تكن من المساهمين في هذا الهجوم. فسلطة دمشق التي المسؤولة عن مقتل نصف مليون سوري وتهجير أكثر من عشرة ملايين اخرين بين نزوح داخلي وخارجي تساهم، عبر مواقفها المعادية لقسد،  في دعم هذا التنظيم الإرهابي.

 

الدور التركي

ليس بغافل عن المتابع، للسياسة التي تتبعها الدولة التركية بريادة رئيسها رجب طيب اردوغان سياسة “الجمع بين المتناقضات”، وذلك للوصول الى أهدافها المتمثلة بقيادة العالم الإسلامي، وكذلك الظهور بمظهر الدولة العلمانية في نموذج شبيه بالدول الأوروبية التي تعرف عنها انها دول حقوق الانسان، وتحقيق الهدف الأكبر الا وهو القضاء على أي تواجد كردي او أي فرصة سانحة للكرد لتأسيس نظام يضمن لهم حقوقهم في العيش الحر والكريم.

في ظل هذه المتناقضات نرى في النظام التركي داعما لا يستهان به لتنظيم داعش الإرهابي، لما يمثله هذا التنظيم من خطر على الوجود الكردي، وكذلك تشكل ورقة ضغط وتهديد بيد تركيا للدول الاوربية، فتركيا هي الحد الفاصل بين الجماعات التكفيرية والأصولية والحدود الأوروبية، وأيضا لما يشكله التنظيم من قيمة معنوية للعالم الإسلامي بما انه ينادي باسم الإسلام مع انه بعيد كل البعد عن جوهر الإسلام الحقيقي. وبالتالي وجود داعش وبقوة تشكل سلاحا قويا بيد الدولة التركية لتحقيق غاياته على المستوى المحلي والإقليمي والدولي.

بالرغم من ان تركيا تظهر انها تحارب داعش، ولكن العديد من الوقائع والوثائق تثبت انها الحليف الأقوى لداعش، فقد قدرت الخزانة الامريكية في تقرير لها الاحتياطات النقدية لداعش في تركيا بنحو 100 مليون دولار، كما تم ادراج أسماء اتراك على قائمة دعم الإرهاب في تموز 2020 يقدمون الدعم المالي واللوجستي للتنظيم الإرهابي.

المناطق التي احتلتها تركيا من شمال وشرق سوريا تحولت الى ملاذ آمن لعناصر تنظيم داعش وامرائهم وقادتهم. فشقيقتا البغدادي وإحدى زوجاته تم اعتقالهن على الحدود التركية. وأبو بكر البغدادي زعيم داعش الإرهابية تم استهدافه وقتله في ادلب الخاضعة لسيطرة الدولة التركية والفصائل المرتزقة التابعة لها والمؤتمرة بأوامر الدولة التركية والمنفذة لأجنداتها.

هذه الحوادث وغيرها الكثير باتت حتى تثير الراي العام التركي ويدفعه الى التساؤل عن العلاقة بين حكومة انقرة وهذه المجموعات الإرهابية، ومدى جدية الدولة في ادعائها بانها تكافح الإرهاب في سوريا. مما دفع بالحكومة التركية للقيام ببعض التحركات، من قبيل قيام الشرطة التركية بإلقاء القبض على بعض عناصر داعش في المدن التركية، الا ان داعش انتشر بشكل كبير حتى في مدنها الكبرى، ليكون هذا البلاء الذي دعمته للنيل من الإدارة الذاتية بلاء عليها.

في عام 2019 وفي لقاء لصحيفة لوفيغارو مع جان ايف لودريان وزير أوروبا والشؤون الخارجية يصرح الوزير قائلا: “تقوًض العملية التركية في سورية جهود خمس سنوات من القتال ضد داعش”. ولتستمر هذه الجهود التي تبذلها الدولة التركية الى اليوم الراهن، فبعض عناصر التنظيم الإرهابي الذين شاركوا في الهجوم الأخير على سجن غويران اثبتت الوثائق الشخصية التي وجدت بحوزتهم، إنهم قد جاؤوا من سري كانيه وكري سبي وهي المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال التركي مما لا يدع مجالا للشك بتورط تركيا في هذه العملية.

كما صرح مسؤول الامن القومي الأمريكي بريت ماكغورك بان “جميع عناصر داعش تم تدريبهم في تركيا وفي معسكرات في المناطق الخاضعة للسيطرة التركية من الشمال السوري المحتل ويتم ارسالهم الى شمال وشرق سوريا”.

تركيا التي حاولت مرارا وتكرارا الحصول على الضوء الأخضر الروسي او الأمريكي للبدء بعملية اجتياح جديدة لأراضي شمال وشرق سوريا وفشلت بذلك، تحاول جاهدة الان من خلال تنشيط الخلايا النائمة اثارة البلبلة في المنطقة، ولكن هذه السياسة باتت مكشوفة للمجتمع الدولي، الذي عليه ان يضغط على تركيا للقيام بمسؤولياتها في ادعائها بمحاربة الإرهاب وعدم التدخل في دول الجوار، لان نتائج هذه السياسة كارثية ولن تعود سوى بالمزيد من نشر الفكر المتطرف والارهابي.

الهجوم الذي حصل على سجن غويران لا يستهان به، وأهدافه ابعد من ان يكون فقط رفد التنظيم بعناصره الوفيين له، وانما كان الهدف الرئيسي أيضا هو السيطرة على المنطقة بالكامل والقضاء على إرادة المكونات الموجودة.

و بالرغم من السيطرة على الوضع في السجن والقيام بحملات تمشيط في المنطقة بغية تطهيرها من الخلايا النائمة، الا ان الخطر مازال مستمرا في ظل الأوضاع الاقتصادية والأمنية الموجودة، وفي ظل عدم تدخل المجتمع الدولي لإيجاد حل لقضية عناصر داعش المحتجزين وعوائلهم، الذين يشكلون ما يشبه دويلات الخلافة في المحتجزات والمخيمات، لذا على المجتمع الدولي والتحالف ان يتحركوا بجدية وفعالية لعلاج هذه القضايا التي تعتبر قضايا مصيرية بالنسبة للعالم أجمع.