مجلس سوريا الديمقراطية

سجن الحسكة والمحاولة البائسة

بقلم: عبدالقادر موحد

أعادتنا الأحداث المرعبة في سجن “الصناعة” في حي غويران بالحسكة السورية إلى عام 2013، حين هوجم سجن أبو غريب سيئ السمعة في العراق من قِبَل عناصر تنظيم القاعدة، وأُطلق سراح أكثر من 500 من أعضاء التنظيم، وقد تمخَّض عن ذلك الهجوم آنذاك الصعود المتسارع للتنظيم بين عامَيْ 2013-2014، واستيلاؤه على الأراضي السورية والعراقية، وأخيرا، تأسيس “دولة الخلافة” فوق بقعة جغرافية شاسعة.

وقد أكَّدت أحداث سجن الصناعة أن التنظيم الذي اعتقدنا أن عناصره سيبقون خلف أسوار السجون المُحصَّنة قادر على شن هجمات منسقة، وأن خلاياه النائمة قد تعاود الظهور من جديد بوصفها تهديدا أخطر من ذي قبل.
سعى التنظيم ومشغلوه لتحقيق عدة أهداف من وراء الهجوم الأخير والتي لو تحققت لكانت بداية لعودة حمام الدم والارهاب الى المنطقة.

أول هذه الأهداف هي داخلية تتعلق بالتنظيم نفسه وزعيمه (أمير سعيد المولى المعروف بأبو إبراهيم الهاشمي القرشي) ورغبته أن يبدأ عهده بعمل مجلجل يثبته في مكانه ومكانته.
ثانيها : رفد قوة التنظيم بنحو خمسة آلاف عنصر على الأقل، وذلك لضعف قدرة التنظيم على تجنيد عناصر جديدة من خلال المقامرة بمصير ما نقدره بالمئات من العناصر الطلقاء الذين زجّوا في المعركة، إلا أن ما حدث هو خسارة المعتقلين والطلقاء معا.
ثالثها : بسط السيطرة على رقعة ما، واستئناف حالة ‘الدولة’… وجعل التنظيم مجدداً محور اهتمام دولي، بعدما خفت نجمه، ولم يعد يسمع به أحد، ومن الواضح أن التنظيم فشل فشلا ذريعا في تحقيق أي من أهدافه , فقد بدأ الزعيم الجديد عهده بفشل وخسر ما يقارب 400 مقاتل ولم يسيطر على أي جغرافيا تشكل منطلقا لإعادة احياء دولته المزعومة .
أما الأهداف الاقليمية والدولية فمنها ما يرتبط بالوضع في العراق والصراع حول تشكيل الحكومة العراقية والتوتر حول سنجار وانزعاج ايران الواضح من مسار الأحداث.
فهو من هذه الناحية ضمن نشاط مقصود ومنظم لعرقلة العملية الانتقالية لتشكيل الحكومة الجديدة من دون القوى الولائية وإرباك الوضع الأمني العام، وفي سوريا تلاقت الأهداف التركية مع أهداف حكومة دمشق وبرعاية روسية وهي :
ضرب الاستقرار واحداث خلل أمني في شمال وشرق سوريا، واحداث فتنة عربية كردية، والايحاء بفشل قوات سوريا الديمفراطية والتحالف الدولي في محاربة التنظيم المتطرف، رغبة روسيا في إشراك النظام السوري في عمليات محاربة تنظيم الدولة، سواء في إدارة السجون أو في العمليات الأمنية ضد التنظيم التي تعتمد فيها قوات التحالف اعتمادا كاملا على “قسد”، وأيضا اضعاف موقف الادارة الأميركية التي أعلنت استمرار وجودها في سوريا ودعمها لقوات سوريا الديمقراطية.

وقد ظهر هذا جليا في تناغم بعض التصريحات الروسية، وتصريحات سلطة دمشق مع مرتزقة الاحتلال التركي ومع أن الحكومة التركية فضلت المراقبة والانتظار لنتائج الهجوم الأخير واستعاضت عن ظهورها المباشر بأبواق المعارضة التباعة لها ومرتزقتها الا أن التنسيق الأمني والاستخباراتي مع فصائل المعارضة وحكومة دمشق وحتى قيادات تنظيم داعش كان ملموسا وواضحا.
الرد السريع والمنسق من قبل قوات سوريا الديمقراطية والتحالف الدولي على هذا الهجوم واحتواؤه بأقل الخسائر الممكنة مع الأخذ بعين الاعتبار حساسية الديمغرافيا والجغرافيا للمنطقة.
هذا الرد أفشل المخطط وحول الهدف الماكر لحلفاء داعش الى نصر عسكري أولا وسياسي كبير ثانيا لقسد وللتحالف الدولي.

فكما أظهر هذا الهجوم أن داعش مازال قادرا على ارباك الأمن والاستقرار في المنطقة أظهر من ناحية أخرى القدرة الاستثنائية لقوات سوريا الديمقراطية على مواجهة هذا التنظيم وأنها عامل الاستقرار الأساسي في المنطقة والذي لا يمكن تجاوزه أو تجاهله، ومن ناحية أخرى عزز العلاقة بين التحالف الدولي وقسد ومتن الثقة بهذه القوات سواء على المستوى الدولي أو المحلي الشعبي. ولفت أنظار العالم الى حجم المسؤولية التي تضطلع بها قوات سوريا الديمقراطية والادارة الذاتية في حماية الأمن والسلم العالمي وضمان الاستقرار.
كانت تلك الحادثة بمنزلة جرس إنذار للمجتمع الدولي بأن داعش لم ينتهِ بعد، وأن معركة العالم المتحضر معه مازالت طويلة وشاقة. ورغم أن من المُستبعَد أن يؤدي الهجوم في الوقت الحالي إلى تغيير جذري في استراتيجية التحالف لمحاربة التنظيم، فإنه سيؤدي إلى مراجعات وحسابات كإجراءات أمنية وعسكرية ولوجستية بغية حماية وتأمين قوات التحالف الدولي من خطر الهجمات، وتعزيز قوات التحالف الدولي في الفترة القادمة، ودعم قوات سوريا الديمقراطية، والادارة الذاتية في شمال وشرق سوريا. وتحسين الوضع الاقتصادي ودعم الاستقرار. والقيام بعمليات أمنية واسعة يشارك فيها التحالف الدولي مع قسد.

في نهاية المطاف، يمكن القول إننا ما زلنا بعيدين عن المقارنة بين ما جرى حاليا وما جرى بين عامَيْ 2013-2014 عندما بدأ داعش بالصعود، فإضافة الى الفرق في الوضع الدولي والاقليمي بين المرحلتين وتغير المزاج الشعبي العام من طروحات الفكر المتطرف. ومسار الأحداث الذي يراد له أن يكون باتجاه الاستقرار وخفض النزاعات. اضافة الى ما سبق فان متغيرا أساسيا ظهر ولم يكون موجودا عام 2013 وهو وجود قوات سوريا الديمقراطية التي تشكل حائط صد متين أمام عودة الارهاب والتطرف للمنطقة.