رياض درار
اتفاق 10 آذار هو محطة سياسية مفصلية تُلزم الحكومة الجديدة بخطوات انتقالية تقود إلى: مشاركة فعلية في السلطة وتمثيل عادل لكل السوريين، الاعتراف الدستوري بحقوق المكوّن الكردي وبقية المكوّنات، إصلاح أمني وإداري، دمج مؤسسات الإدارة الذاتية المدنية والعسكرية ضمن الدولة السورية، عودة المهجّرين، وتمكين المجالس المحلية وفق مبدأ الكفاءة بعيداً عن الانتماء الطائفي أو العرقي.
ومما يبدو أن السلطة الجديدة تُماطل في التطبيق، وأنها لا ترغب في الالتزام الكامل ببنود الاتفاق، أو تحاول كسب الوقت لإعادة ترتيب موازين القوى.
وفي مثل هذه السيناريوهات، يصبح من الضروري تحليل أسباب المماطلة: ممّ تخشى الحكومة المؤقتة؟ ولماذا تتردد؟ وكيف يمكن الضغط عليها؟
الطرف الممثل للحكومة يخاف من تقاسم السلطة وفقدان السيطرة، فتنفيذ الاتفاق قد يعني:
إشراك قوى سياسية ومجتمعية أخرى في الحكم.
تقليص نفوذ شبكات المصالح المحيطة بها.
خضوع مؤسسات الأمن والقضاء لرقابة مستقلة.
وتخشى الحكومة أيضاً أن يقود تنفيذ الاتفاق إلى تفكيك منظومتها قبل أن تترسخ، وتتعدد عناصر خوفها على النحو الآتي:
الخوف من المساءلة والعدالة: فالاتفاق قد يتضمن كشف ملفات فساد، فتح ملفات الانتهاكات السابقة، أو محاسبة أشخاص من السلطة الحالية أو حلفائها. وهذا يعدّ هاجساً أساسياً، لذلك يفضّلون التلكؤ خشية خسارة الحصانة أو التعرّض للمساءلة.
الخوف من فقدان الشرعية أمام قواعدها: فالتنفيذ السريع قد يُفهم على أنه تقديم تنازلات كبيرة، أو خضوع لضغوط داخلية أو خارجية، أو تراجع عن خطابها السياسي. الشعور باحتمال خسارة “الجمهور” يدفعها للتأجيل.
اقرأ/ي أيضاً: عشر سنوات من الفعل: التجربة التي صنعتها إرادة النساء وحيوية الشباب في سوريا الجديدة
الخوف من تغيير المعادلة الأمنية: فالاتفاق يتضمن دمج قوات وإعادة هيكلة وانتشاراً مشتركاً. وهذا يعني أن السلطة لن تبقى محتكرة للسلاح، وهو ما تعتبره تهديداً مباشراً لهيمنتها. لذلك تراهن على تغيّر الظروف الدولية أو الإقليمية، أو تبدّل مواقف داعميها، أو انشغال المعارضة بملفات أخرى، لتستخدم المماطلة كتكتيك زمني.
الخوف من أن الاتفاق بداية لمنحدر سياسي: خطوة أولى قد تفتح الباب لمطالبات لاحقة مثل مؤتمر وطني موسّع، انتخابات برلمانية صحيحة، صلاحيات أوسع للمجالس المحلية، أو رقابة أقوى على الحكومة. ولذلك تراه “منحدراً زلقاً”.
ولتنفيذ الاتفاق، لا بدّ من الضغط المتعدد الأدوات، وليس بطريقة واحدة:
خلق إجماع وطني واسع خلف الاتفاق، فكلما اتسعت الجبهة المؤيدة أصبحت السلطة أكثر عزلة وأضعف قدرة على خلق سردية بديلة، وأكثر عرضة لاتهامات تقويض التوافق الوطني. رفع كلفة الرفض داخلياً أهم من أي ضغط خارجي.
الضغط الجماهيري المنظّم، عبر حملات شعبية منسّقة، وبيانات القوى والنقابات والروابط والتجمعات، إضافة إلى تحرك المجالس المحلية ودور الإعلام والمثقفين. فكل سلطة انتقالية تخشى الغضب الشعبي المنظّم لأنه يمس شرعيتها المباشرة.
تفعيل المجتمع المدني، عبر مراقبة التنفيذ، كشف التأخير للرأي العام، نشر تقارير دورية، وحشد التأييد الداخلي والخارجي. فالسلطات تكره الشفافية لأنها تكسر قدرتها على التحرك خلف الستار.
الضغط الدولي المشروط، عندما يكون مبنياً على قرار وطني جامع وغير مرتبط بأجندات تدخّلية، فإنه يقيّد حركة السلطة التي تخشى العزلة أو فقدان الدعم الخارجي.
استخدام الزمن كأداة ضغط، عبر جداول زمنية واضحة. فإذا تبيّن أن السلطة هي التي تؤخّر التنفيذ، تتآكل شرعيتها وتظهر البدائل السياسية ويتحوّل الاتفاق إلى أداة إدانة شعبية.
اقرأ/ي أيضاً: سيناريوهات المرحلة الجديدة
ما هي كلفة تنفيذ الاتفاق على السلطة؟ وما الذي تخشاه بمجرد التنفيذ؟
يمكن تلخيص المخاوف في ثلاثة مستويات:
كلفة سلطوية: خسارة احتكار القرار، دخول فاعلين جدد في الحكم، واحتمال حصول انقسام داخلي في الكتلة الحاكمة.
كلفة أمنية وقضائية: فقدان السيطرة على الأجهزة، تعرّض بعض المسؤولين للمساءلة، وانتهاء الحصانة غير المعلنة.
كلفة سياسية ـ رمزية: الاعتراف بالحاجة إلى شراكة حقيقية، تراجع مكانتها كـ“الطرف الأقوى”، وارتفاع سقف مطالب المعارضة والمجتمع.
وإذا فُرض التنفيذ على السلطة، ما السيناريوهات الأكثر احتمالاً؟
التنفيذ الانتقائي عبر تطبيق البنود الأقل خطراً وتأجيل القضايا السياسية الكبرى.
إعادة تفسير الاتفاق لإنتاج نصوص “مطابقة حرفياً” لكنها لا تعكس روحه، كما يحدث في تفسير بند الدمج.
التفاوض على تعديلات تخفف آثار الاتفاق عليها.
محاولة إعادة إنتاج نفوذها داخل البنى الجديدة حتى لو نفّذت الاتفاق شكلياً.
ولضمان التنفيذ الحقيقي للاتفاق، المطلوب هو:
خلق ائتلاف ضاغط وموحّد.
تثبيت جدول زمني واضح ومعلن ومراقَب.
إطلاق أدوات ضغط جماهيرية مدروسة وليست فوضوية.
رفع كلفة المماطلة سياسياً وإعلامياً.
تجنب فخ الاستقطاب الطائفي أو الشخصي.
التفاوض من موقع قوة لا من موقع رجاء.
أخيراً، إن السلطة الجديدة تماطل في تنفيذ اتفاق 10 آذار لأنها تخشى تقاسم السلطة، خسارة السيطرة الأمنية، المساءلة، وفقدان الغطاء الشعبي والدولي. ويمكن الضغط عليها عبر إجماع وطني واسع، وضغط جماهيري منظّم، وتفعيل المجتمع المدني، والآليات القانونية، والضغط السياسي، وضغط دولي منسّق. وكلما ارتفعت كلفة الاستمرار في المماطلة مقارنة بكلفة الالتزام، تُجبَر السلطة على التنفيذ.









