تمضي السويداء في عامها الأول بعد سقوط نظام الأسد وسط مشهد بالغ التعقيد، تتداخل فيه تطلعات الأهالي لبناء مستقبل أكثر استقراراً مع مخاوف عميقة من غياب مشروع سياسي واضح يضمن حقوقهم ويعيد الثقة المفقودة بينهم وبين الدولة الجديدة. لم يعد أبناء المحافظة يطالبون بالخدمات والأمان فقط، بل باتوا يتطلعون إلى صياغة هوية سياسية تعبّر عن خصوصيتهم الاجتماعية والثقافية، وتمكّنهم من إدارة شؤونهم بعيداً عن الوصاية المركزية التي أثقلت حياتهم لعقود.
في هذا السياق، تبرز اللامركزية كخيار جوهري ليس لحماية التنوع وحفظ التوازن الاجتماعي فحسب، بل لضمان استمرارية الاستقرار في ظل الصراع الدائر حول شكل الدولة السورية المقبلة.
يقول الخبير في منظمات المجتمع المدني، هيثم شاكر، من مدينة السويداء: “يشعر أهل السويداء بخيبة أمل كبيرة من تجاهل معاناتهم من قبل بقية السوريين، ويشكون من غياب التعاطف والدعم في محنتهم، وهناك مخاوف من انتشار أفكار عقائدية وأيديولوجية قد تؤدي إلى مزيد من الانقسامات المجتمعية، مع رغبة بعض الشبان في الانفصال أو تقرير المصير.”
اقرأ/ي أيضاً: إدلب والعدالة الانتقالية… طريق محفوف بالتحديات نحو كشف الحقيقة
يعتبر شاكر أن ما شهدته المحافظة من عمليات نهب وتهجير وحرق طالت قرى بكاملها عمّق الشعور بالظلم والخوف من تكرار الانتهاكات. ويضيف أن الحديث عن الحلول لم يعد خياراً مؤجلاً، قائلاً: “أعتقد أن الحل السياسي العادل هو تبني نموذج لامركزي يمنح المحافظة صلاحيات إدارية واسعة، ويضمن مشاركة المجتمع المحلي في إدارة شؤونها دون المساس بوحدة الدولة. فاللامركزية تمثل خياراً واقعياً لحماية التنوع الاجتماعي والسياسي وتعزيز الاستقرار من خلال تمكين الأهالي من اتخاذ قراراتهم بأنفسهم.”
ويضيف شاكر أن إشراك المجالس الأهلية والممثلين المحليين في صياغة أي خارطة طريق مستقبلية بات ضرورة لضمان الشفافية ومنع الانزلاق نحو نماذج انفصالية أو مغلقة. ويرى أن نجاح أي مشروع سياسي يستوجب تفعيل آليات تمثيل حقيقي لأبناء السويداء في مؤسسات الدولة، وضمان وصول المساعدات والخدمات الأساسية بشكل عادل، إلى جانب بناء تحالفات إقليمية ودولية تدعم الحل الوسط وتوفر مراقبة مستقلة لالتزام الأطراف به.
وحول الرؤية السياسية لمستقبل المحافظة بعد مرور عام على سقوط النظام، يؤكد شاكر أن اللامركزية: “ليست مجرد خيار إداري، بل ضرورة سياسية واجتماعية لحماية السويداء من الفوضى وضمان مستقبل مستقر ومتنوع يحترم خصوصية المجتمع المحلي.” ويختم بقوله: “سقوط نظام الأسد كان بالنسبة لنا بوابة أمل لبناء سورية ديمقراطية تعددية لا مركزية وموحدة، لكن ما حدث بعده كان صادماً. الأزمة التي تعيشها السويداء اليوم هي أزمة ثقة وانتماء، حيث يشعر الأهالي أنهم ضحايا تهميش مزمن، وعليهم أن يواجهوا مصيرهم في ظل غياب الدولة وغياب أي ضمانات حقيقية لحقوقهم.”
اللامركزية كضرورة للخروج من الأزمة
بعد عام على سقوط النظام، يعيش أبناء السويداء حالة من القلق والترقب تجاه مستقبلهم السياسي والاجتماعي. يوضح الناشط السياسي كميت سعد الدين أن الهواجس باتت تتمحور حول ضمان الأمان، وإعادة بناء الثقة مع أي سلطة جديدة، ومنع تكرار الانتهاكات التي عانوا منها حتى بعد سقوط النظام. ويضيف: “الأغلبية في المدينة تميل اليوم نحو نموذج لامركزي يمنح المحافظة صلاحيات واسعة في إدارة شؤونها، كحل لتفادي مخاطر التهميش وضمان تمثيل حقيقي للتنوع الاجتماعي والديني في القرار السياسي.”
يشدد سعد الدين على أن غياب العدالة يشكّل مصدر قلق كبير لدى الأهالي، وأن كثيرين يطالبون بتشكيل لجان تحقيق مستقلة في الجرائم والمجازر التي شهدتها المحافظة خلال العام الماضي. كما يصرّون على ضرورة فتح المعابر الإنسانية وضمان وصول المساعدات دون عوائق، وإعادة الخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء والصحة. ويضيف: “أهالي السويداء يشعرون بضرورة تجنب عودة أي نمط من الحكم المركزي الذي فشل سابقاً في معالجة مشاكلهم، ويعتبرون أن اللامركزية هي الضامن الوحيد لاستقرارهم وحماية حقوقهم.”
اقرأ/ي أيضاً: السلم الأهلي في حمص… ركيزة الاستقرار وشرط بناء مستقبل سياسي آمن
ويرى سعد الدين أن اللامركزية تمثّل إطاراً لحماية النسيج الاجتماعي وضمان مشاركة المجتمع المحلي في صنع القرار، بما يحول التنوع داخل المحافظة إلى مصدر قوة لا إلى بؤرة توتر. ويشير إلى أن تطبيق نموذج حكم مرن يعكس الخصوصيات الاجتماعية والدينية للسويداء يستوجب إصلاحاً سياسياً ومؤسساتياً يضمن تمثيلًا حقيقياً لأبناء المحافظة، ومنحهم صلاحيات واسعة في إدارة شؤونهم دون الإضرار بوحدة الدولة.
ويختم بقوله: “النموذج اللامركزي يجب أن يشمل توزيعاً عادلاً ومنظماً للسلطة والموارد، ويحقق ديمقراطية فعالة تنقذ البلاد من أزمات المركز. تطبيق اللامركزية في السويداء خطوة ضرورية لضمان استقرار المحافظة وحماية حقوق أهلها وتمكينهم من إدارة شؤونهم بحسب خصوصيتهم، مع الحفاظ على وحدة الدولة السورية.”
تبدو السويداء اليوم أمام مفترق طرق يتطلب من القوى السياسية تقديم رؤية واضحة تضمن تمثيلاً حقيقياً لأبناء المحافظة، وتحفظ في الوقت نفسه وحدة البلاد. لا يمكن تحقيق الاستقرار دون حوار وطني شامل يعالج جروح الماضي، ويؤسس لمرحلة سياسية جديدة تحترم التنوع وتمنح السويداء دوراً فاعلاً في إدارة شؤونها. فاللامركزية، كما يؤكد أبناؤها، لم تعد خياراً إدارياً، بل ضرورة لحماية السلم الأهلي وضمان مستقبل آمن ومستقر لسوريا كلها.
عمر صحناوي- السويداء









