بقلم: رياض درار
يطرح الحدث قلقاً عميقاً ومشروعاً، يتجاوز حادثة تدمر نفسها، ليطال بنية الدولة الجديدة، والعقلية التي تُدار بها أجهزتها الأمنية.
ما جرى ليس حادثاً أمنياً عابراً، بل تطور بالغ الخطورة، لأسباب عدة: الفاعل عنصر رسمي في جهاز الأمن الداخلي (وزارة الداخلية)، والمكان رسمي (مقر الأمن العسكري في تدمر)، والهدف قوات أمريكية أثناء اجتماع رسمي. وكانت النتيجة قتلى أمريكيين مع مترجم. أما الدافع فكان أيديولوجياً/دينياً، وليس انفعالًا شخصياً فقط. ويزيد القلق تصريح المتحدث باسم وزارة الداخلية: «قدر الله وما شاء فعل»، وهو ما يخرج الحادثة من إطار “الخلل الفردي” إلى مؤشر بنيوي خطير.
تترتب على ذلك تداعيات مباشرة على العلاقة مع واشنطن. أولها فقدان الثقة العميق، حتى لو أعلنت دمشق، أو السلطة القائمة، أن الفاعل “تصرف تصرفًا فردياً”. فالأمريكيون لا يتعاملون مع النوايا، بل مع البُنى. والسؤال الأمريكي سيكون واضحاً: كيف تمكّن عنصر متشدد من اختراق موقع حساس، وحمل سلاحه، وتنفيذ الهجوم؟ هذا وحده كفيل بتراجع الثقة الأمنية مع دمشق إلى حدٍّ كبير.
ورغم محاولة إيجاد تبرير من قبل ترامب لقيادة “الشرع”، والإيحاء بأنه غاضب مما حصل، فإن تصريح المتحدث باسم الداخلية السورية، الذي بدا وكأنه تبرير أو تقليل من خطورة الحادث أو تشكيك بالرواية الأمريكية، سيؤدي إلى إحراج سياسي داخلي في الولايات المتحدة، وإلى اتهام الإدارة بأنها تُخدع أو تُدار بواجهات غير منضبطة.
اقرأ/ي أيضاً: لماذا تتهرب السلطة الحالية من تنفيذ اتفاق 10 آذار؟
وعند وصول جثامين القتلى، سيتحوّل الإعلام والكونغرس والرأي العام ضد أي تقارب مع دمشق. وفي الرد الأمريكي، يُرجَّح تجميد أي قنوات تواصل سياسي، أو وقف الاجتماعات المباشرة داخل مناطق سيطرة دمشق، وتشديد قواعد الاشتباك. وقد يمتد ذلك إلى منع دخول أشخاص إلى الولايات المتحدة بسبب انعدام الثقة بقدرة المؤسسات السورية على التعريف بعناصرها وضبطهم.
ومن المؤكد أن يتبع ذلك عمليات أمنية أو ضربات انتقائية، مع إعادة تصنيف جهات داخل وزارة الداخلية بوصفها “مخترقة أيديولوجياً”.
السؤال الأخطر يبقى: كيف يتغلغل شخص كهذا داخل جهاز الأمن الداخلي؟
الجواب أن الأجهزة الجديدة لم تُبنَ على عقيدة دولة، بل على عقيدة جماعة. جرى الدمج بسرعة، دون غربلة فكرية، ودون تفكيك البنية الذهنية لعناصر قادمة من فصائل جهادية وتشكيلات عقائدية. ومع غياب مفهوم “الحياد الوظيفي”، بقي السلاح أداة عقيدة، والوظيفة تمكيناً دينياً، والخصم “كافراً” أو “عدواً شرعياً”.
وعندما تكون ثقافة الطاعة للنص لا للقانون، فإن العنصر، عند اختلافه مع قيادته، لا يحتكم إلى النظام، بل إلى “إشارة إلهية” أو “تكليف شرعي”. وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
فهل مقترف هذه الجريمة شخص واحد، أم أننا أمام ظاهرة؟ ما حدث يكشف عن خزان صامت من عناصر يحملون العقلية ذاتها؛ يلتزمون ظاهرياً، لكنهم قد ينفجرون عند أول خلاف، أو توتر، أو فتوى، أو شعور بالإقصاء، كما حصل مع هذا العنصر الذي استشعر أنه سيُبعد عن وظيفته، بحسب تصريح الناطق باسم الداخلية. وهذا يعني أن أي موقع أمني، أو حاجز، أو اجتماع دولي قد يكون قابلًا لتكرار الحادثة.
يبقى السؤال: ما التداعيات على دمشق في الداخل؟
أولها اهتزاز صورة “الدولة”. فالدولة لا تُدار بعناصر تؤمن بالفعل الفردي المقدس. هذا يشي بخطر التفكك الأمني، إذ إن شعور كل عنصر بإمكانية تنفيذ “أمره” الخاص يفتح باب العبث وانعدام الثقة.
ومن التداعيات أيضاً انهيار فرص الشراكات الدولية؛ فلا الولايات المتحدة، ولا أوروبا، ولا حتى دول إقليمية ستغامر بأمنها مع جهاز مخترق أيديولوجياً.
ما جرى في تدمر ليس حادثاً أمنياً، بل إنذار مبكر لفشل بناء جهاز أمني مدني، وتهديد مباشر لاستقرار الداخل، وطرح سؤال مقلق: إذا كان هذا ما يحدث مع الأمريكيين، فماذا عن المدنيين لاحقاً؟
جوهر الأزمة في حادثة تدمر ليس في ما فعله المهاجم، بل في كيف يفكّر، ولماذا يُعاد إنتاجه داخل الدولة، وهل يمكن الوثوق بسلطة تفعل ذلك؟
نحن لا نتحدث عن “شرطي أخطأ”، بل عن نمط ذهني متكامل تشكّل عبر سنوات داخل التنظيمات الجهادية، وفق منطق “الشرعية قبل الدولة”. هذا الشخص لا يرى نفسه موظفاً عاماً، بل فاعلاً شرعياً مكلّفاً، والدولة بالنسبة له أداة مؤقتة، فيما تبقى العقيدة المرجعية العليا.
لذلك، إذا تعارض أمر القيادة مع قناعته الدينية، فإنه يطيع قناعته. وفي هذه العقلية، الأمريكي عدو عقائدي، حتى لو كان ضيفاً رسمياً، والحوار معه خديعة، والاجتماع معه تطبيع مع كافر.
من هنا، لا يرى هذا “المجاهد” فعله جريمة أو خيانة، بل فعلًا مبرراً أخلاقياً ودينياً. ولدى السلطة يتحول إلى “قدر”، ولهذا قيل: «قدر الله وما شاء فعل». هذه العبارة ليست تعبير ندم، بل لغة تسليم شرعي بالفعل.
في ظاهرة تدمر، تبرز “الفردية الجهادية” بوصفها أخطر ما يمكن إدخاله إلى دولة تقوم على القرار الجماعي والمسؤولية المؤسسية. ففي التنظيمات الجهادية، الفرد المُلهم يملك حق المبادرة، و“الذئب المنفرد” فضيلة لا استثناء. وعندما يُنقل هذا العقل إلى جهاز أمني، لا يتم توظيف شخص، بل إدخال قنبلة مؤجلة.
وإذا كان هناك المئات ممن يشبهون هذا الشخص، فإن الانتقال من تنظيم جهادي إلى جهاز دولة لم يكن تحولًا فكرياً، بل شكلياً: تغيير لباس، وتغيير مسمى، وتغيير رتبة، من دون تفكيك أيديولوجي، أو مراجعات فكرية حقيقية، أو محاسبة على الماضي، أو إعادة تعريف لمفهوم الدولة.
اقرأ/ي أيضاً: عشر سنوات من الفعل: التجربة التي صنعتها إرادة النساء وحيوية الشباب في سوريا الجديدة
وهيئة تحرير الشام، كنموذج، حتى حين أعلنت “فك الارتباط” و“الاعتدال” و“البراغماتية”، لم تُنتج عقيدة دولة، بل أقامت إدارة سلطة فوق عقلية جهادية قائمة، وهذا فرق جوهري.
فالسلطة التي تُجنّس وتُرتّب الأجانب حيث الرتبة، من دون المرور بمؤسسات وطنية ومساءلة قانونية، ويكون الولاء فيها للجماعة لا للدستور، ويبقى السلاح مرتبطاً بالهوية السابقة، تخلق دولة ظاهرية، بجهاز أمني منفصل نفسياً وأخلاقياً عن المجتمع.
كيف ترى الدول هذا النموذج؟ على الأرجح بوصفه “سلطة أمر واقع ذات أجهزة مخترقة أيديولوجياً”. وهذا يعني: لا شراكة أمنية حقيقية، ولا تبادل معلومات حساسة، ولا ثقة طويلة الأمد، بل تعامل اضطراري، وبأقصى درجات الحذر. وحادثة تدمر أكدت أسوأ مخاوفهم.
أما الخطر الأكبر، فليس على الأمريكيين وحدهم، بل على المدنيين، والأقليات، وأي معارض، حتى داخل السلطة نفسها. فمن يرى العنف “تكليفاً شرعياً” لن يتوقف عند حدود السياسة.
ما جرى في تدمر كشف أن المشكلة ليست “عنصراً مارقاً”، بل عقلية لم تُفكك، وجهازاً لم يُبنَ على فكرة الدولة، وسلطة تعتقد أن تغيير الأسماء يكفي لتغيير الجوهر.
الدولة لا تُبنى بعناصر تعتبر نفسها فوق القانون باسم الله.









