بعد التطورات العسكرية الأخيرة التي شهدها شمال وشرق سوريا، يُعبّر السوريون، بمختلف انتماءاتهم ومناطقهم، وفي مقدمتهم أهالي محافظة السويداء، عن رفضٍ واضح وثابت لعودة لغة السلاح والمعارك الدامية. هذا الرفض لا ينطلق فقط من موقف أخلاقي أو إنساني، بل من إدراك عميق بأن ما يجري اليوم يتجاوز كونه اشتباكات عسكرية عابرة، ليشكّل بوابة جديدة لاستنزاف الدماء والموارد، وانتكاسة خطيرة تعيد البلاد إلى أتون الحرب التي أنهكت السوريين لأكثر من عقد. وفي ظل هذا الواقع القاتم، يبرز الحل السياسي الشامل بوصفه ضرورة وطنية، والمسار الوحيد القادر على معالجة الأزمة السورية، كما هو الحال في السويداء وسائر الجغرافيا السورية.
في هذا السياق، يؤكد المحامي والمختص في الشؤون القانونية والإدارية عصام اللباد، من محافظة السويداء، في حديث خاص، أن السياسات التي انتهجتها الحكومة المؤقتة منذ تشكيلها قامت على الإقصاء والاستئثار بالقرار السياسي، وهو ما يعيد إلى الأذهان ممارسات النظام السابق. ويقول اللباد إن هذه الذهنية الإقصائية كانت أحد الأسباب الجوهرية التي دفعت السوريين، وخصوصاً النخب المدنية والمثقفين في السويداء، إلى المطالبة بالتشاركية والذهاب نحو حلول سياسية حقيقية في السابق، إلا أن رفض النظام آنذاك للحوار قاد إلى انهياره وتشظي المجتمع السوري. واليوم، يرى اللباد أن السلطة الحالية تسير في المسار ذاته، إذ تحاول فرض السيطرة بالقوة، في تكرار واضح لسياسات أثبتت فشلها تاريخياً.
ويضيف أن ما يشهده الشمال السوري من تصعيد عسكري، رغم الإعلان عن اتفاقات لوقف إطلاق النار، يؤكد استمرار حالة عدم الاستقرار، الأمر الذي يهدد حياة المدنيين ويعمّق تعقيد المشهد السياسي، كما يربك أي مسار جدي للحل. والأخطر من ذلك، وفق اللباد، أن هذا النهج يعمّق الشرخ بين السوريين، ويقوّض فرص بناء ثقة وطنية جامعة في مرحلة يُفترض أن تكون انتقالية وتمهيدية لإعادة بناء الدولة.
ويرى اللباد أن التوتر الحاصل لا يمكن فصله عن الدور التركي، مشيراً إلى أن المعطيات الميدانية والتصريحات الصادرة عن المسؤولين الأتراك تحمل طابعاً تحريضياً واضحاً، وتعكس رغبة في استمرار العمليات العسكرية. ويؤكد أن الهدف لا يقتصر على مواجهة قوات سوريا الديمقراطية، بل يتعداه إلى استهداف الوجود الكردي عموماً في الشمال السوري، وهو مسار بدأ منذ أحداث الشيخ مقصود في حلب، ومرّ بكوباني، وصولاً إلى مختلف مناطق شمال وشرق سوريا. ويعبّر اللباد عن أسفه لتماهي سياسات الحكومة المؤقتة مع هذه الرغبات، في وقت كان من المفترض أن تعمل دمشق على بناء مسار تصالحي توافقي يضمن استقراراً دائماً، وهو ما فشلت السلطة الحالية في تحقيقه حتى الآن.
وفي مقارنة لافتة، يوضح اللباد أن ما شهدته السويداء من انتهاكات ومجازر في مراحل سابقة يتقاطع في المسار والمضمون مع ما يحدث اليوم في شمال وشرق سوريا. ومن هنا، يعبّر أهالي السويداء عن رفضهم القاطع لعودة العنف والانتهاكات، مؤكدين أن أي صراع جديد يهدد الانسجام الوطني ويقوّض فرص استعادة الحياة الطبيعية. ويشدد اللباد على أن السلام هو الخيار الوحيد القادر على إخراج سوريا من أزمتها، وأن الحوار الشامل يمثل البديل الواقعي والوحيد للعنف.
وفي هذا الإطار، يدعو اللباد السلطة الجديدة إلى الابتعاد عن منطق القوة والسلاح، معتبراً أن الاعتماد على الحلول العسكرية لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الدورات الدموية السابقة. كما يشدد على ضرورة وضع حد لخطاب التحريض، الذي يشكّل وقوداً للانقسامات الطائفية والمناطقية، ويغذّي مناخ الكراهية والانقسام. ويؤكد أن المرحلة الراهنة تتطلب إبراز المنطق الوطني بوصفه أولوية قصوى، والعمل على بلورة هوية سورية جامعة تتجاوز الانتماءات الضيقة.
ويرى اللباد أن الشروع في مسار سياسي انتقالي حقيقي، يقود إلى ديمقراطية تعددية ولا مركزية، يُعد المدخل الأساسي لاحترام التنوع السوري وصون حقوق جميع المكونات. ويقترح في هذا السياق تفعيل لجان مصالحة وطنية واسعة، تشارك فيها مختلف القوى والمكونات، على أسس من العدالة والاعتراف المتبادل.
وفي ما يتعلق بآليات الخروج من الأزمة، يؤكد اللباد أن وقف العمليات العسكرية بشكل شامل وفوري يُعد الخطوة الأولى والضرورية، تليها حوارات وطنية جدّية تُعقد تحت مظلة محايدة، بما يضمن توزيعاً عادلاً للسلطات، وحماية حقوق المكونات، وبناء أسس متينة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما يشدد على أهمية الدور الدولي، على أن يقتصر على الدعم السياسي وتعزيز مسارات الحوار، بعيداً عن أي تدخل عسكري، بما يُسهم في ترميم الثقة الداخلية.
ويختتم اللباد حديثه بالتأكيد على أن تغليب المنطق الوطني يمكن أن يحوّل سوريا من ساحة صراع مفتوح إلى نموذج للمصالحة والاستقرار الدائم، بما يحقق مصلحة الأجيال القادمة. ويجدّد أهالي السويداء ومثقفوها دعوتهم إلى الوقف الفوري للعنف، والبدء بحلول سياسية جدية، من خلال حوار وطني واسع يجمع جميع الأطراف حول طاولة واحدة، لمناقشة القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية بصدق وشفافية، على أن يقوم هذا الحوار على مبادئ العدالة الانتقالية، ورد المظالم، وضمان الحقوق الدستورية للسوريين، بعيداً عن لغة الإكراه والقسر ومنطق القوة العسكرية.









