من مدينةٍ عانت طويلاً من آثار الصراع والتحولات السياسية، تتجدد في حلب النقاشات حول شكل الدولة السورية المقبلة. وبين ذاكرة مثقلة بتجارب الماضي وتطلعات تتجه نحو المستقبل، يبرز مطلب النظام الديمقراطي التشاركي بوصفه خياراً يعكس تطلعات شرائح واسعة من السوريين بعد عقود من الحكم الأحادي.
يرى فاعلون سياسيون ومجتمعيون في حلب أن المرحلة الراهنة تقتضي تجاوز نماذج الحكم المركزي المغلق، والتوجه نحو نظام ديمقراطي يقوم على شراكة حقيقية في صنع القرار. ويؤكد هؤلاء أن التجارب السابقة أظهرت بوضوح أن غياب المشاركة الفعلية أدى إلى تهميش فئات واسعة من المجتمع، وأسهم في إضعاف الثقة بين الدولة والمواطنين.
وتشير آراء مطروحة في المدينة إلى أن الديمقراطية التشاركية لا تعني مجرد إقرار التعددية الحزبية، بل تتجاوز ذلك نحو إشراك المجتمعات المحلية في إدارة شؤونها، وضمان تمثيل عادل لجميع المكونات في مؤسسات الدولة، بما يعكس التنوع الاجتماعي والثقافي الذي تتميز به سوريا عموماً وحلب على وجه الخصوص.
تحول في الوعي السياسي بعد سنوات الحرب
لم تعد النقاشات السياسية في حلب تُدار خلف الأبواب المغلقة كما في السابق. فقد أعادت سنوات الحرب، بكل ما حملته من تحولات قاسية، تشكيل المزاج العام، ودفعت شرائح واسعة من السكان إلى إعادة مساءلة شكل الحكم وآليات إدارة الدولة. وفي الندوات المدنية، وأروقة الجامعات، وحتى في اللقاءات الاجتماعية، بات السؤال حول مستقبل النظام السياسي يتقدم على غيره من القضايا.
اقرأ/ي أيضاً: الديمقراطية التشاركية في حمص: نحو جسر وطني لاستدامة السلم الأهلي وإعادة البناء
ويرى مراقبون أن التجربة المريرة للصراع وما رافقها من انقسامات عميقة أسهمت في نضوج وعي سياسي جديد، يقوم على رفض احتكار القرار والمطالبة بضمانات تحول دون إعادة إنتاج الاستبداد. ويؤكد أكاديميون أن أي انتقال سياسي حقيقي لا يمكن أن ينجح ما لم يترافق مع إعادة توزيع واضحة للصلاحيات، وتوسيع فعلي لدائرة المشاركة الشعبية في مستويات الحكم المختلفة.
في هذا السياق، لا ينظر حقوقيون إلى الديمقراطية التشاركية بوصفها خياراً سياسياً فحسب، بل باعتبارها مدخلاً أساسياً لحماية الحقوق والحريات العامة.
يقول الحقوقي كفاح محمد إن تجارب العقود الماضية أثبتت أن تركّز القرار في يد جهة واحدة يفضي بالضرورة إلى غياب الرقابة والمساءلة، وهو ما يمهّد لانتهاكات تمسّ المواطنين بشكل مباشر. ويشير إلى أن تعدد مراكز القرار والرقابة “يشكّل صمام أمان قانونياً يحدّ من احتمالات التعسف”.
ويشدد على أن تمثيل المكونات الدينية والقومية تمثيلاً عادلاً في المؤسسات التشريعية والتنفيذية يُعد شرطاً لبناء الثقة، ولا سيما في مجتمع متنوع كسوريا، حيث يشعر كثيرون بأن الإقصاء كان أحد أسباب هشاشة الدولة وتآكل شرعيتها.
من جهتها، ترى الناشطة المدنية نور الهدى أن أي دستور جديد ينبغي أن ينص بوضوح على اللامركزية، مع منح المجالس المحلية صلاحيات حقيقية في إدارة الموارد والتخطيط التنموي. وتوضح أن المشاركة لا تختزل في صناديق الاقتراع، بل تمتد إلى آليات استشارة منتظمة، وإشراك منظمات المجتمع المدني في صياغة السياسات العامة، بما يعزز الرقابة المجتمعية على الأداء الحكومي.
إشراك الشيخ مقصود والأشرفية في صياغة المستقبل
يجمع فاعلون محليون على أن أي حديث عن ديمقراطية تشاركية في حلب يبقى ناقصاً ما لم يشمل جميع أحيائها، وفي مقدمتها الشيخ مقصود والأشرفية. فقد شكّل الحيّان خلال سنوات النزاع فضاءً سياسياً واجتماعياً له خصوصيته، ما يجعل من الصعب القفز فوق هذه الحقيقة عند التفكير في ترتيبات المرحلة المقبلة.
يرى المهندس حسن جارو أن إشراك ممثلين منتخبين عن الشيخ مقصود والأشرفية في أي حوار محلي أو وطني يشكّل اختباراً عملياً لجدية الدعوات إلى الشراكة. ويؤكد أن التعامل مع هذه المناطق من منظور أمني صرف يكرّس فجوة الثقة، بينما يفتح إدماجها في الهياكل الإدارية والبلدية الباب أمام تعزيز مفهوم المواطنة المتساوية وترسيخ الانتماء الوطني.
ويشير متابعون إلى أن منح هذه الأحياء دوراً واضحاً في إدارة شؤونها الخدمية والتنموية، ضمن إطار وطني جامع، من شأنه أن يبدد مخاوف الإقصاء، ويسهم في إعادة ترميم الروابط داخل النسيج الحلبي الذي تضرر بفعل سنوات الصراع.
من اللامركزية إلى الحوكمة المحلية
تتجه أطروحات النخب المدنية في حلب نحو نموذج يعزز صلاحيات المجالس المحلية في ملفات التعليم والصحة والخدمات والبنية التحتية، مع بقاء الدولة إطاراً ضامناً لوحدة السياسات العامة وعدالة توزيع الموارد بين المناطق. ويرى شريحة واسعة من النخبة في حلب أن هذا التصور لا ينتقص من دور الدولة، بل يعيد تعريفه بحيث تتحول من مركز لاحتكار القرار إلى مرجعية تنظيمية ورقابية تضع المعايير العامة وتتابع تنفيذها.
اقرأ/ي أيضاً: السويداء.. الديمقراطية التشاركية واللامركزية كمدخل للمسار الوطني في سورية الجديدة
كما يشددوا أن اللامركزية الفاعلة يجب أن تقترن بإصلاح قضائي شامل يكرّس استقلال السلطة القضائية، ويتيح للمواطنين الاعتراض على قرارات الجهات التنفيذية عبر آليات واضحة وفعالة. فالمشاركة، كما يقول الحقوقي كفاح محمد، “تفقد قيمتها إن لم تتوافر آليات قانونية تحميها وتضمن
استمرارها”.
تحديات الانتقال وبناء الثقة
رغم اتساع مساحة النقاش، يقرّ كثيرون بأن الانتقال إلى نموذج ديمقراطي تشاركي لن يكون مهمة سهلة. فهناك تحديات اقتصادية ضاغطة، وتباينات سياسية بين القوى الفاعلة، إضافة إلى إرث طويل من انعدام الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.
وأن تجاوز هذه العقبات يتطلب حواراً شاملاً لا يقتصر على النخب السياسية، بل يشمل النقابات المهنية، والفعاليات الاقتصادية، والجامعات، ومنظمات المرأة والشباب، بما يضمن تمثيلاً أوسع للمجتمع. كما يتطلب مساراً واضحاً للعدالة الانتقالية يعترف بالانتهاكات، ويؤسس لمصالحة مجتمعية مستدامة قائمة على الحقيقة والمساءلة.
في المحصلة، تعكس النقاشات الجارية في حلب محاولة جادة لإعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع على أسس مختلفة، قوامها الشفافية والمساءلة والشراكة. فالديمقراطية التشاركية، كما يصفها كثيرون، ليست مجرد إطار نظري، بل مدخل لإعادة بناء الثقة وضمان ألا يتكرر الماضي بأدوات جديدة.
وبين تعقيدات الواقع وتطلعات التغيير، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة السوريين على تحويل هذا النقاش إلى عقد اجتماعي جامع، يضمن أن يكون القرار ثمرة إرادة مشتركة، لا امتيازاً محصوراً في يد جهة واحدة.
حلب – خديجة حريري









