يشكّل الثامن من آذار من كل عام محطةً عالمية للاحتفاء بإنجازات المرأة والتذكير بالنضال المستمر من أجل المساواة والعدالة. غير أن هذا اليوم، في السياق السوري، يتجاوز بعده الرمزي ليصبح مناسبةً للتوقف عند التحولات العميقة التي عاشها المجتمع على مدار سنوات الصراع، وللتأمل في الموقع الذي تحتله المرأة في مستقبل البلاد السياسي والاجتماعي. فالمرأة السورية لم تكن يوماً مجرد شاهدة على الأحداث، بل كانت فاعلةً في كثير من تفاصيلها، تحمل أعباء الحرب والتهجير والانهيار الاقتصادي، وتُسهم في الحفاظ على تماسك المجتمع في أحلك الظروف وأشدّها وطأة.
وفي ضوء هذه التحولات، تتصاعد أصوات نسائية من مختلف المناطق السورية لتطالب بدور حقيقي في صياغة مستقبل البلاد، رافضةً أن يُختزل حضور المرأة في واجهات شكلية، ومؤكدةً أن الاستقرار الوطني لن يتحقق في غياب شراكة نسائية فعلية في مؤسسات الدولة ومراكز صنع القرار.
حماة: التهميش سياسةٌ لا صدفة
في حماة، أعربت الدكتورة ديمة الجندي، الباحثة الاجتماعية والناشطة في مجال حقوق المرأة، عن فخرها بصمود المرأة السورية، بيد أنها لم تُخفِ قلقها إزاء ما وصفته بتكرار أخطاء الماضي. وأكدت أن الحكومة المؤقتة تواصل سياسة تهميش النساء وإقصائهن من مراكز صنع القرار، لافتةً إلى أن غياب المرأة عن المناصب القيادية في المجالس السياسية والهيئات الأمنية والاقتصادية ليس محض صدفة، بل يعكس عقليةً ذكورية متجذرة لا ترى في النساء سوى ضحايا، في حين أنهن شريكاتٌ أساسيات في بناء الدولة. وشددت الجندي على أن إشراك المرأة ليس مجرد استحقاق أخلاقي، بل هو شرط موضوعي لإعادة الاستقرار الوطني، وأن استبعادها يعني استمرار الانقسامات الاجتماعية وتعميق الفجوات السياسية.
اقرأ/ي أيضاً: الديمقراطية التشاركية في حمص: نحو جسر وطني لاستدامة السلم الأهلي وإعادة البناء
السويداء: الدستور مرآة الهوية الوطنية
في السويداء، سلّطت الدكتورة راما أبو حمدان الضوء على أهمية تضمين الدستور الجديد نصوصاً صريحة وملزمة تحمي حقوق المرأة وتضمن عدم إقصائها من الحياة العامة، معتبرةً أن الدستور مرآة الهوية الوطنية ينبغي أن يعكس قيم العدالة والمساواة التي تؤسس للدولة لا تلك التي تُعيد إنتاج التمييز. وأشارت إلى أن نساء السويداء يتحملن أعباء الحياة اليومية رغم ثقل الحصار والفقر، وأن غياب الضمانات الدستورية يُحيل طموحاتهن إلى أوهام غير محمية قانونياً ولا سياسياً. وشددت على ضرورة تحديد حصص نسائية واضحة في البرلمان والحكومة، ووضع آليات رقابة فعلية تضمن التنفيذ، مؤكدةً أن تمكين المرأة شرطٌ أساسي لاستقرار المجتمع والحيلولة دون العودة إلى أنماط الاستبداد.
درعا: من الضحية إلى شريك في العدالة الانتقالية
من الجنوب، ربطت الناشطة الاجتماعية شهد الموصلي، من درعا، بين العدالة الاجتماعية وحماية حقوق المرأة ربطاً عضوياً لا يقبل الفصل، مؤكدةً أن الدستور يجب أن يضمن حماية كاملة للمرأة في مواجهة العنف الأسري والمجتمعي، ويُحوّلها من ضحية تستجدي الحماية إلى مواطنة فاعلة قادرة على المساهمة في تعزيز الأمن الداخلي وبناء السلم الاجتماعي. وأشارت إلى أن إشراك النساء في لجان المصالحة والعدالة الانتقالية يمنع إعادة إنتاج دورات العنف ويُعزز الروابط الوطنية، لا سيما في المناطق الجنوبية التي تحمل فيها المرأة عبء الذاكرة الجماعية للمجتمع بكل ما فيها من جراح وآمال.
اللاذقية: الغياب ثغرة تهدد التوازن
من الساحل، ربطت المحامية والناشطة الحقوقية وفاء ديب الاحتفاء بيوم المرأة بمقتضيات الإصلاح الدستوري، معتبرةً أن غياب تمثيل النساء في الهياكل التنفيذية والقضائية والأمنية يمثّل ثغرة خطيرة تهدد التوازن السياسي والاجتماعي برمّته. وأكدت أن إدماج النساء في رسم سياسات الدولة يُعزز الاستقرار ويُحوّل طاقاتهن الكامنة إلى محرك فاعل للتنمية، فضلاً عن كونه طريقاً لتحقيق العدالة الاجتماعية والوقاية من الصراعات الداخلية.
طرطوس: يوم المرأة منصةٌ للإصلاح لا للاحتفاء
من طرطوس، أوضحت الدكتورة لمى خضور، الناشطة الحقوقية والباحثة في علم الاجتماع السياسي، أن يوم المرأة العالمي يجب أن يتحول إلى منصة للمطالبة بإصلاحات دستورية تُدمج المرأة في مسارات العدالة الانتقالية، وأن يُرفق ذلك بإنشاء صندوق وطني لدعم المبادرات النسائية والمشاريع التنموية بوصفه آليةً لضمان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وأكدت أن انخراط النساء في المجالس المحلية ومكافحة الفساد يُحوّل خبرتهن العملية إلى استراتيجية وطنية راسخة تُعزز بنية الدولة وتصون استقرارها.
حمص: المرأة في صميم البناء لا في هامشه
من حمص، اعتبرت وفاء استانبولي، الناشطة النسوية وعضوة تجمع السلم الأهلي، أن المرأة العمود الفقري للأمة السورية، وأن تمكينها الحقيقي ضرورة استراتيجية لا خيار ثانوياً. وأكدت أن دور المرأة يجب أن يتخطى حدود المشاركة الرمزية ليصل إلى قيادة فعلية للجنة الدستورية ورسم السياسات الداخلية والخارجية، مشيرةً إلى أن إعادة بناء الدولة السورية لن تكتمل دون أن تكون المرأة في صميم هذا البناء لا في هامشه.
اقرأ/ي أيضاً: حلب والديمقراطية التشاركية: استحقاق ما بعد عقود الاستبداد
في جبلة، ركّزت الأديبة ميساء فطوم على البُعد الثقافي لهذه القضية، معتبرةً أن غياب المرأة عن مراكز السلطة يسلب المجتمع قدرته على صياغة هوية ثقافية جامعة وموحّدة، ويُحوّل مرحلة التحول الراهنة إلى فصل انتقالي عابر دون عمق ثقافي أو أبعاد إنسانية راسخة. وطالبت بفتح أبواب السلطة فوراً أمام النساء الأديبات والمفكرات، باعتبار ذلك استثماراً في الروح الوطنية لا أقل من الاستثمار في البنى التحتية.
حلب: ثورة وعي قبل ثورة دستور
في حلب، أكدت الناشطة النسوية نبال درويش ضرورة ثورة حقيقية في الوعي الجمعي تجاه المرأة، تنقلها من مكانة الضحية المستكينة إلى الشريك الأساسي الذي لا غنى عنه. ودعت إلى إعادة هيكلة النظام السياسي والاجتماعي بما يمنح النساء أدواراً قيادية في البرلمان والدفاع المدني وصنع القرار الاقتصادي والاجتماعي، مؤكدةً أن سوريا الجديدة لا يمكن أن تُبنى دون مشاركة نسائية كاملة وحقيقية.
تكشف هذه الأصوات المتعددة والمتوزعة جغرافياً عن إجماع نسائي غير معلن على أن المرأة السورية لن تقبل بعد اليوم بدور المتفرجة أو الشاهدة. فالنضال من أجل الحضور الدستوري والسياسي لم يعد مطلباً نسوياً ضيقاً، بل بات مشروطاً بمستقبل البلاد برمّتها. والسؤال الذي يُلقى على عاتق الحكومة المؤقتة والمجتمع معاً يبقى حاضراً بكل ثقله: هل تُبنى سوريا الجديدة بنصف طاقتها، أم بكل ما فيها؟
حلب – خديجة الحريري









