لم تعد محافظة درعا تُقرأ بوصفها مجرد ساحة محلية أو محطة عابرة في سياق الأزمة السورية، بل تحولت إلى اختبار جوهري لمفهوم الدولة في سوريا، وإلى مدخل لفهم طبيعة العلاقة المنشودة بين السلطة والمجتمع بعد أكثر من عقد من الحرب والتحولات العميقة. وما يُطرح اليوم في درعا حول تفعيل المسارات السياسية الوطنية، ومستقبل الانتقال السياسي، وشكل الدولة، يتجاوز حدود المطالب الشكلية، ليطرح سؤالاً مركزياً: هل يمكن بناء دولة تعترف بشرعية المطالب الوطنية، وتطوي صفحة القمع كأداة حكم، وتؤسس في الوقت ذاته لمسؤولية مجتمعية تحول دون إعادة إنتاج الاستبداد بصيغ جديدة؟
في هذا الإطار، يغدو الحديث عن درعا جزءاً لا يتجزأ من مشروع وطني أوسع، يعيد ترتيب العلاقة بين المركز والأطراف، وبين الدولة والمجتمع، ويوازن بين المطالب السياسية والسلوك الاجتماعي. فالمسارات السياسية المطروحة اليوم لا تقتصر على كونها قنوات تفاوض أو ترتيبات أمنية، بل تمثل محاولة لتحويل تجربة درعا إلى بنية مؤسساتية وثقافية تُعيد بناء الثقة، وتفتح المجال أمام التفكير في الدولة بعيداً عن منطق السلاح والتهديد.
اقرأ/ي أيضاً: مبادرات أهالي حماة… الحوار المجتمعي طريق لترميم الهوية الوطنية وبناء توافق سوري
يرى عبد الجليل المصري، أحد وجهاء محافظة درعا، أن المحافظة، بتاريخها الثوري، لم تكن مجرد منطقة متمردة على نظام الأسد، بل شكلت علامة فارقة في المشهد السوري على المستويين السياسي والاجتماعي. فهي التي أطلقت شرارة المطالبة بالحرية، وتحملت كلفة القمع، واختبرت مبكراً تحولات السيطرة وفقدان المناطق، كما كانت أول من دخل في مسارات تسوية مشروطة، لم تُفضِ إلى تجديد سياسي حقيقي. ويؤكد أن درعا، انطلاقاً من هذا الإرث، تستحق أن تكون فاعلاً أساسياً في صياغة أي مسار انتقالي في سوريا، وأن تشارك، كغيرها من المحافظات، في تقرير شكل الدولة ومستقبلها السياسي، لا بوصف ذلك خروجاً على الدولة، بل تعبيراً مشروعاً عن حق المشاركة.
ويشدد المصري على أن الانتقال السياسي لم يعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة وطنية، لا تقتصر على تغيير النخب الحاكمة، بل تشمل إعادة توزيع السلطة، وفتح المجال أمام التنافس السياسي ضمن إطار قانوني مدني، وضمان مشاركة واسعة لمختلف مكونات المجتمع، بما فيها العشائر وسكان المدن. ويضيف أن تفعيل المسارات السياسية الوطنية يعني، في جوهره، خلق بيئة آمنة لحوار وطني حقيقي، لا يُدار في الغرف المغلقة، بل يتفاعل مع هواجس الناس في المدينة وريفها، وصولاً إلى بناء أطر مؤسساتية تُعزز التمثيل المحلي بدلاً من تهميشه تحت ذرائع المركزية أو التهدئة الأمنية.
ويؤكد المصري أن ربط التحول السياسي في درعا بمشروع وطني شامل يُعد شرطاً أساسياً لنجاحه، بحيث لا تُقدَّم الخدمات أو المشاريع التنموية كبديل عن العدالة والمشاركة، بل كجزء من إعادة تأسيس الدولة. ويضيف أن الاستقرار المنشود في درعا لا يمكن أن يقوم على مقاربات أمنية ضيقة أو على إعادة إنتاج أدوات الضبط الاجتماعي، بل يجب أن يستند إلى ثقة مجتمعية بمرجعية سياسية عليا تلتزم بالعدالة والشفافية. وفي هذا السياق، يبرز دور الوجهاء ليس فقط في التهدئة، بل في الإسهام برقابة وطنية على مسار التحول السياسي.
من جانبه، يرى فواز العبد، وهو ناشط سياسي من مدينة نوى، أن الحديث عن تفعيل المسارات السياسية الوطنية لا ينبغي أن يُختزل في مطالب تمثيلية أو ضمانات أمنية، بل يتطلب إعادة صياغة العلاقة بين المجتمع والقوة السياسية التي يُفترض أن تمثله. ويشير إلى أن درعا، بوصفها مهد الحراك الوطني، تتحمل اليوم مسؤولية مزدوجة: الحفاظ على الذاكرة الثورية، وتفادي توظيفها سياسياً في مسارات تسوية لا تعكس تطلعات المجتمع.
ويضيف العبد أن على وجهاء درعا مسؤولية في ترسيخ الاستقرار الاجتماعي، في حين تقع على عاتق النشطاء مسؤولية تنشيط الحراك السياسي، وتعزيز دور المجتمع المدني، بما يشمل الشباب والنساء والكتّاب والمحامين، ليكونوا شركاء في صياغة المشروع الانتقالي. ويرى أن المرحلة الراهنة تتطلب مسارات سياسية حقيقية، لا تقتصر على تعددية شكلية، بل تتيح مساحة فعلية للتنافس والاختلاف حول شكل الدولة والسياسات العامة، دون العودة إلى أنماط القمع أو استقطاب المجتمع ضمن محاور ضيقة.
اقرأ/ي أيضاً: اتفاق 29 كانون الثاني… رؤية أهالي اللاذقية له كركيزة وطنية للأمن والاستقرار
ويؤكد العبد أن أي حديث جاد عن الانتقال السياسي يجب أن يترافق مع مشروع واضح للعدالة الانتقالية، وضمان حقوق العودة، وصون الملكيات، محذراً من أن أي تسوية تتجاهل هذه القضايا ستفقد مشروع الانتقال مصداقيته الأخلاقية والسياسية. كما يشدد على أن النقاش حول شكل الدولة ينبغي أن ينتقل من مستوى الخطاب إلى المستوى الدستوري والمؤسسي، معتبراً أن درعا، بحكم موقعها وتجربتها، تمثل بيئة اختبار حقيقية لأي نموذج قادم، سواء على المستوى الأمني أو الإداري أو الاقتصادي.
ويختم العبد بالقول: نتطلع إلى دولة لا مركزية، تكون فيها درعا جزءاً فاعلاً من مشروع وطني جامع، لا مجرد ملف محلي. فمستقبل سوريا، برأيه، يتوقف على إعادة الاعتبار لدور المجتمعات، وبناء وعي وطني جديد، وتأسيس حياة سياسية تحترم التعددية وحقوق المكونات، بما يقود إلى دولة ديمقراطية لا مركزية.
في المحصلة، تعكس آراء أبناء محافظة درعا توجّهاً واضحاً نحو تحويل الانتقال السياسي من عملية تغيير في بنية الحكم إلى مشروع وطني لإعادة تأسيس الدولة، يقوم على إعادة توزيع السلطة، وتعزيز المشاركة، وبناء علاقة متوازنة بين المركز والمجتمع، بما يمهّد الطريق نحو سوريا جديدة تقوم على العدالة والتعددية والاستقرار المستدام.
هيثم الحوراني- درعا









