بقلم: ثابت الجوهر
يقول منطق الحكمة أن “لا شيء يدوم سوى التغيير” وبعد عقود من الجمود السياسي وجد السوريون أنفسهم أمام لحظة تاريخية؛ هي لحظة لا تتعلق بسقوط نظام مستبد فحسب، بل بولادة هواجس كبرى حول شكل الدولة ومستقبل السياسة ودور المواطن في صناعة القرار، وإنهاء حقبة من الظلم والبطش ومصادرة القرار السوري بيد عصبة مستبدة.
فلم يكن سقوط النظام السوري مجرد حدث عابر في تاريخ البلاد، بل شكّل لحظة فارقة فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الأسئلة والطموحات والتحديات، والكثير من الهواجس والمخاوف تجاه شكل الحكم الجديد، خصوصاً بعد عقود طويلة من الحكم المركزي الذي ضيّق مساحات العمل السياسي وقيد المشاركة العامة لذا وجد السوريون أنفسهم أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة علاقتهم بالدولة وبالحياة السياسية آملين بوضع أسس أكثر عدالة وتوازناً.
وبناءً على هذه التطلعات نجد أن حلم السوريين لا يقتصر على إنهاء حقبة سياسية مضت، بل يتجاوز ذلك نحو بناء وطن حديث يستوعب جميع أبنائه ويمنحهم الحق في المشاركة الفاعلة في صناعة القرار فالمجتمعات التي دفعت أثماناً باهظة خلال سنوات الحرب والصراع لم تعد تبحث فقط عن التخلص من النظام إنما عن شراكة حقيقية في رسم مستقبل البلاد.
اقرأ/ي أيضاً: السلم الأهلي كمدخل لإعادة بناء الدولة السورية
لقد كشفت السنوات الماضية حجم التغيرات التي طرأت على الوعي السياسي لدى السوريين فالأجيال الشابة التي عايشت الحرب والنزوح والأزمات الاقتصادية باتت أكثر إدراكاً لأهمية الأجسام السياسية المنظمة ودورها إلى جانب منظمات المجتمع المدني ناهيك عن ضرورة وجود قنوات حقيقية للتعبير عن الرأي وهو ما وضع السوريين أمام استحقاقات عظيمة لإعادة صياغة مفاهيم السياسة باعتبارها مسؤولية جماعية وليست حكراً على النخب أو القوى التقليدية.
أما وقد سقط النظام الذي سلب السوريين إرادتهم، فيبرز الدور المحوري اليوم للأحزاب السياسية بوصفها أحد أهم أدوات تنظيم العمل العام وترجمة تطلعات المواطنين إلى برامج ورؤى قابلة للتطبيق فالأحزاب في سوريا الجديدة مطالبة بتجاوز أنماط العمل التي فرضتها عقود الاستبداد والانتقال إلى ثقافة سياسية تقوم على الحوار والتنافس واحترام التعددية والتسابق لبناء الوطن و”الوطن قبل أي شيء آخر” كما يقع على عاتقها بناء جسور الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة وتعزيز قيم المواطنة والمشاركة والمسؤولية العامة.
فنجاح الأحزاب السياسية لن يقاس بعدد مقراتها وفروعها، ولا بخطاباتها الرنانة إنما يقاس بقدرتها على ملامسة هموم السوريين والعمل لأجلهم وتقديم حلول واقعية للتحديات التي تواجههم عندها فقط يمكننا القول إن هذه الأحزاب وطنية، تمتلك برامج اقتصادية واجتماعية وسياسية واضحة وتعمل على إنتاج نخب جديدة بخطاب مختلف وقادرة على قيادة المرحلة بعيداً عن عقلية الفرد الواحد والحزب الواحد واللون الواحد والعرق الواحد التي أثقلت كاهل البلاد وأعادتها قروناً إلى الخلف.
واليوم عندما نقول إن سوريا حرة، فإن هذه الحرية تُقاس بمدى حرية الحياة السياسية فيها، وتُقاس بتسابق أحزابها لخدمة الوطن والمواطن من خلال برامج واضحة وعمل ملموس والفيصل في ذلك صناديق الاقتراع التي توضع أمام الشعب ليختار بحرية تامة من يمكنه تمثيله وأي البرامج السياسية تخدم تطلعاته وهذا لن يأتي إلا من خلال ترسيخ ثقافة قبول الآخر والتداول السلمي للسلطة واحترام الاختلاف.
اقرأ/ي أيضاً: صراع متعدد الأبعاد.. الطاقة والسياسة في معادلة الشرق الأوسط
فالحرية لا تُبنى بالنصوص الدستورية ولا بالقرارات الإدارية ولا بالبيروقراطية المقيتة، بل تحتاج إلى قوى سياسية تؤمن بالحرية وتمارسها داخل مؤسساتها أولاً ثم تنقلها إلى المجال العام للوصول إلى مجتمع حر وبالتالي وطن حر ومن هنا فإن بناء حياة حزبية فاعلة يشكل ضمانة أساسية لمنع عودة الاستبداد بأي شكل من الأشكال.
فسوريا تقف أمام تحدٍ كبير بل كبير جداً، يتمثل في ضرورة إيجاد بيئة قانونية تضمن الحريات العامة وحقوق المواطنين، وتكفل التنافس السياسي السلمي بعيداً عن الإقصاء أو التهميش كما أن نجاح هذه المرحلة يتطلب تعزيز استقلال المؤسسات وتكريس مبدأ المواطنة المتساوية بوصفه الأساس الذي تقوم عليه الدولة الحديثة.
إن مرحلة ما بعد سقوط النظام يمكن أن تتحول إلى فرصة لبناء دولة المؤسسات والقانون والشراكة الوطنية، وإلا فلن يُكتب لهذه التجربة النجاح وستضيع هذه الفرصة وسط الصراعات والتجاذبات وبين هذين السيناريوهين يبقى الأمل معقوداً على وعي السوريين وقدرة قواهم السياسية وأحزابهم الوطنية على الارتقاء إلى مستوى المسؤولية التاريخية، وتأسيس مرحلة جديدة يكون فيها المواطن شريكاً في القرار وتكون السياسة وسيلة لخدمة المجتمع لا أداة للهيمنة عليه.
فالأعوام الطويلة من العتمة لن يكون فجرها حدثاً عادياً، بل اختباراً لقدرتنا كسوريين على تحويل الحلم إلى واقع وبين العتمة التي خلفتها عقود الاستبداد والضوء الذي يلوح في أفق المرحلة الجديدة، نقف جميعاً أمام فرصة تاريخية للمشاركة في بناء وطن يتسع للجميع، وهذا أبرز ما يجب النضال من أجله في الأيام القادمة.
بقلم ثابت الجوهر – الأمين العام لحزب الوطن السوري








