في الذكرى الحادية عشرة لمجزرة كوباني، نستذكر بألمٍ وإجلال أرواح الضحايا الأبرياء الذين ارتقوا في واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي بحق المدنيين في سوريا، حين تسلل عناصر التنظيم فجر الخامس والعشرين من حزيران عام 2015 إلى مدينة كوباني، بعد أن عجزوا عن إخضاعها عسكرياً، فاستهدفوا السكان الآمنين في منازلهم وشوارعهم، مرتكبين مجزرة مروعة راح ضحيتها المئات من النساء والأطفال والشيوخ.
إن هذه الذكرى ليست مجرد محطة لاستحضار مأساة إنسانية عميقة، بل هي مناسبة وطنية وأخلاقية لتأكيد التمسك بالحقيقة والعدالة، وللتذكير بحجم التضحيات التي قدمها أبناء وبنات كوباني وسائر المكونات في شمال وشرق سوريا في مواجهة أخطر تنظيم إرهابي عرفه العصر الحديث. كما أنها لحظة لاستعادة الذاكرة الجماعية لشعب رفض الاستسلام، وتمسك بحقه في الحياة والحرية والكرامة رغم كل أشكال العنف والإرهاب.
لقد تحولت كوباني، بما حملته من معانٍ وتضحيات، إلى رمز عالمي للمقاومة والصمود في وجه الإرهاب. فالمعركة التي خاضتها المدينة لم تكن دفاعاً عن حدود جغرافية أو مجتمع محلي فحسب، بل كانت دفاعاً عن القيم الإنسانية المشتركة في مواجهة مشروع ظلامي سعى إلى القضاء على التنوع والتعايش وإخضاع المجتمعات لمنطق العنف والكراهية. ومن بين أنقاض الحرب والدمار، أثبتت كوباني أن إرادة الشعب أقوى من الإرهاب، وأن الإيمان بالحرية قادر على هزيمة أكثر المشاريع تطرفاً ووحشية.
لقد شكلت مقاومة كوباني نقطة تحول تاريخية في مسار الحرب ضد تنظيم داعش، ليس في سوريا وحدها، بل على مستوى المنطقة والعالم. فمن هذه المدينة انطلقت مرحلة جديدة من المواجهة مع الإرهاب، مرحلة أثبتت أن التنظيم الذي بدا في ذلك الوقت متمدداً وقادراً على فرض أمر واقع بالقوة، يمكن هزيمته عندما تتوحد الإرادة الشعبية مع قيم الحرية والدفاع المشروع عن الإنسان. وقد مهدت تلك المقاومة الطريق أمام سلسلة من الانتصارات التي انتهت بتفكيك ما سمي بـ”دولة الخلافة” والقضاء على سيطرتها الجغرافية.
واليوم، وبعد أحد عشر عاماً على المجزرة، لا تزال الدروس التي قدمتها كوباني تحتفظ براهنيتها وأهميتها. فالإرهاب لم ينتهِ بشكل كامل، وما زالت شبكاته وخلاياه النائمة تسعى إلى استغلال الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لإعادة إنتاج نفسها بأشكال مختلفة. كما أن خطاب الكراهية والتعصب والتطرف ما زال يشكل خطراً على المجتمعات، ويهدد فرص الاستقرار والسلم الأهلي في سوريا والمنطقة.
وتأتي هذه الذكرى في وقت تواجه فيه سوريا تحديات معقدة تتعلق بمستقبلها السياسي والأمني والاجتماعي، حيث ما تزال البلاد تعاني من آثار الحرب والانقسام والأزمات الاقتصادية، فيما تتطلع مختلف مكوناتها إلى بناء دولة تضمن الحقوق والحريات وتصون كرامة المواطنين كافة دون تمييز أو إقصاء. ومن هنا، فإن استذكار مجزرة كوباني يجب أن يكون حافزاً لتعزيز الجهود الوطنية الرامية إلى معالجة جذور التطرف، وترسيخ ثقافة الحوار والتسامح والمواطنة المتساوية، باعتبارها الضمانة الحقيقية لمنع تكرار المآسي التي شهدتها سوريا خلال السنوات الماضية.
إن مجلس سوريا الديمقراطية يؤكد في هذه المناسبة أن مواجهة الإرهاب لا تقتصر على الجوانب العسكرية والأمنية فحسب، بل تشمل أيضاً بناء منظومة سياسية واجتماعية وثقافية قادرة على حماية المجتمع من الفكر المتطرف وتجفيف منابعه. كما أن تحقيق العدالة للضحايا ومحاسبة مرتكبي الجرائم الإرهابية يشكلان جزءاً أساسياً من أي مسار جاد نحو السلام والاستقرار الدائمين.
ونستذكر تضحيات جميع المكونات السورية التي وقفت صفاً واحداً في مواجهة داعش، مؤكدة أن التنوع والتعددية كانا وسيبقيان مصدر قوة لسوريا المستقبل.
إن الرؤية التي نناضل من أجلها اليوم تستند إلى الدروس التي قدمتها كوباني، وإلى القناعة الراسخة بأن سوريا لا يمكن أن تستعيد أمنها واستقرارها إلا من خلال حل سياسي ديمقراطي شامل يضمن مشاركة جميع أبنائها في إدارة شؤون بلادهم، ويؤسس لدولة ديمقراطية لا مركزية تحترم التعدد القومي والثقافي والديني، وتكفل حقوق المرأة والشباب، وتحمي الحريات العامة وحقوق الإنسان، وتوفر الظروف اللازمة لتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية والسلم الأهلي.
المجد لذكرى شهداء مجزرة كوباني، والرحمة للضحايا الأبرياء، والشفاء للجرحى، والوفاء لكل من قاوم الإرهاب ودافع عن الإنسانية.
26 حزيران/يونيو 2026
مجلس سوريا الديمقراطية









