تشكل محافظة حماة، بما تضمه من تنوع ديني واجتماعي وجغرافي، نموذجاً يعكس جانباً مهماً من تعقيدات المشهد السوري الراهن. فهي ليست مجرد مساحة جغرافية، بل حاضنة لذاكرة جماعية مثقلة بتجارب الصراع، وميداناً تتقاطع فيه الهويات والانتماءات المحلية. وما تشهده مناطق المحافظة من توترات بين المجتمعات المحلية يعكس إشكالية أوسع تتعلق بكيفية إدارة الاختلاف في مرحلة ما بعد النزاع، حيث تتداخل روايات الماضي مع تحديات الحاضر، الأمر الذي يجعل المصالحة المجتمعية ضرورة وطنية لمنع انزلاق البلاد نحو دوامات جديدة من العنف والانقسام.
يرى المحامي محمد مغمومة، من مدينة حماة، أن التوترات التي تشهدها المحافظة ليست وليدة اللحظة، وإنما هي نتاج تراكمات تاريخية أعادت السياسات المركزية إنتاجها على مدى عقود، عبر تهميش الهويات المحلية والتعامل مع المجتمعات بمنطق أمني بدلاً من منطق المواطنة. ويؤكد أن أي حديث عن المصالحة ينبغي أن ينطلق من الاعتراف بأن الضحايا ليسوا أرقاماً، بل أفراد يحملون ذاكرة مثقلة بالألم والانتظار، مشدداً على أن آليات المصالحة المحلية يجب أن تكون مؤسساتية لا عاطفية، وألا تقتصر على لقاءات رمزية، بل تستند إلى تشريعات واضحة تكفل حماية النسيج الاجتماعي.
ويضيف مغمومة أن القانون لا ينبغي أن يكون أداة للعقاب فقط، بل جسراً للاعتراف المتبادل بين السوريين. ويرى أن العدالة الانتقالية في محافظة حماة تتطلب محاسبة المسؤولين الرئيسيين عن الانتهاكات، مقابل اعتماد مقاربات قانونية تسمح للمشاركين الأقل مسؤولية بالمساهمة في كشف الحقيقة والاعتراف بها، محذراً من أن غياب العدالة سيؤدي إلى إنتاج دورات جديدة من الثأر تمتد عبر الأجيال. ويشير إلى أن تجارب دول مثل غواتيمالا وجنوب أفريقيا تؤكد أن المصالحة لا تعني النسيان، وإنما إعادة صياغة الذاكرة بما يخدم المستقبل.
اقرأ/ي أيضاً: درعا بين ضغوط المعيشة وتحديات التعافي الاقتصادي
كما يرى مغمومة أن محافظة حماة بحاجة إلى هيئة مستقلة للحقيقة تضم قانونيين ومؤرخين ورجال دين وشباباً وشابات من مختلف المكونات، على ألا يقتصر دورها على توثيق الوقائع، بل يمتد إلى تقديم توصيات بإصلاحات قانونية ومؤسساتية تمنع تكرار الانتهاكات. ويحذر من أن التوترات الحالية قد تتحول إلى صراعات أكثر خطورة إذا لم تُعالج ملفات الماضي بجدية، معتبراً أن اللامركزية تمثل بديلاً ضرورياً عن المركزية التي أسهمت في تعقيد الأزمة السورية. كما يشدد على ضرورة مراجعة الخطاب الديني، مؤكداً أن المساجد والكنائس في حماة قادرة على أن تكون منابر للتسامح كما يمكن أن تتحول إلى أدوات للانقسام، تبعاً لطبيعة الخطاب الذي يُقدَّم فيها.
ويختتم مغمومة بالقول إن المصالحة تتطلب إشرافاً مجتمعياً على الخطاب الديني بما يضمن احترام التعددية، ويرى أن القيادات الدينية ينبغي أن تكون شريكاً فاعلاً في عملية المصالحة لا مجرد شاهد عليها. كما يؤكد أن العدالة الانتقالية يجب أن تشمل تعويضاً معنوياً ومادياً للمتضررين، بغض النظر عن انتماءاتهم، لأن العدالة الانتقائية لا تؤدي إلا إلى إنتاج مظالم جديدة. ومن خلال ذلك فقط، يمكن إعادة ترميم العلاقات بين المجتمعات المحلية وفتح الطريق أمام إعادة بناء الدولة.
من جانبها، تؤكد الناشطة المدنية ولاء عبد السلام، من محافظة حماة، أن المجتمعات المحلية ليست كتلًا متجانسة، وإنما فسيفساء من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية وروابط المصاهرة والجوار، وهو ما يدل على أن التوتر الحقيقي ليس بين الناس بقدر ما هو بين السرديات التي فرضتها السلطات المتعاقبة. وترى أن المصالحة ينبغي أن تبدأ من القاعدة الاجتماعية، عبر مجالس الأحياء والمبادرات النسائية والفرق الشبابية المدنية والسياسية التي ما تزال تحافظ على قدر من التماسك الاجتماعي رغم سنوات الحرب.
وتوضح عبد السلام أن إعادة بناء الثقة تتطلب إطلاق مشاريع مشتركة تجمع مختلف مكونات المحافظة، مشيرة إلى المبادرات المدنية التي انطلقت أخيراً من مدينة مصياف بمشاركة ناشطين من مدينة حماة، بهدف التأكيد على وحدة سوريا، وإثبات قدرة المجتمعات المحلية على إعادة صياغة الرواية الوطنية باعتبارها نسيجاً واحداً يقوم على التعدد والتعايش.
اقرأ/ي أيضاً: السويداء والعدالة الانتقالية: من المحاسبة إلى إعادة بناء الثقة الوطنية
وتؤكد أن النساء كن الأكثر تضرراً من تداعيات الصراع، ولذلك فهن الأكثر قدرة على إنتاج لغة جديدة للحوار، لابتعادهن عن منطق التنافس على السلطة. وترى أن أي عملية مصالحة لا تضمن تمثيلاً حقيقياً للنساء ستبقى ناقصة وهشة. كما تشدد على أن المصالحة لا يمكن فصلها عن الواقع الاقتصادي، فالفقر والبطالة يشكلان بيئة خصبة للتطرف وخطاب الكراهية، الأمر الذي يستدعي أن تترافق الحوارات المجتمعية مع دعم المبادرات الاقتصادية الصغيرة التي تجمع أبناء المجتمعات المختلفة في مشاريع إنتاجية مشتركة.
وتطالب عبد السلام بإشراك المعلمين والأكاديميين والمثقفين في مختلف مناطق المحافظة في صياغة رواية تاريخية وطنية تعترف بجميع الأخطاء والانتهاكات دون انتقاء، مؤكدة أن الشباب الذين عاشوا سنوات الحرب هم الأكثر استعداداً للانفتاح، لأنهم يدركون كلفة الكراهية أكثر من غيرهم. وتختتم بالقول إن حماة ليست حالة استثنائية، بل تمثل نموذجاً مصغراً لسوريا، وما ينجح فيها يمكن أن يشكل تجربة قابلة للتطبيق في مناطق أخرى. كما تؤكد أن المصالحة ليست حدثاً عابراً، بل مسار طويل يحتاج إلى الصبر والإرادة السياسية والمجتمعية، وأن دور المجتمع الدولي يجب أن يقتصر على الدعم والمساندة، لا فرض الحلول، لأن الحلول المفروضة من الخارج تفتقر إلى الشرعية المحلية. وتضيف أن الانتصار الحقيقي لا يتحقق بإقصاء الآخر، وإنما بالقدرة على العيش معه بكرامة واحترام متبادلين.
ختاماً، تفرض التوترات التي تشهدها محافظة حماة أسئلة جوهرية حول شكل الدولة السورية المقبلة وطبيعة العلاقة التي ينبغي أن تربطها بمواطنيها. فالمصالحة المحلية ليست غاية بحد ذاتها، بل مدخل لإعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس العدالة والاعتراف المتبادل والمشاركة. كما أنها تتطلب إرادة سياسية تتجاوز منطق الغلبة إلى منطق الشراكة الوطنية. فحماة، التي شهدت بعضاً من أكثر المحطات إيلاماً في التاريخ السوري، قادرة أيضاً على أن تكون نموذجاً لتحويل الذاكرة المؤلمة إلى دافع للتعايش، والألم إلى فرصة لبناء مستقبل أكثر استقراراً. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يمتلك السوريون القدرة على تحويل مدنهم من ساحات للكراهية إلى فضاءات للتعايش؟ إن الإجابة لن تُكتب في الوثائق، بل في سلوك الأفراد وإرادتهم في كسر دائرة الثأر وفتح صفحة جديدة للحياة.
ضياء العاصي- حماة









