لم تكن السنوات الأربع عشرة الماضية محض صراع على السلطة، بل كانت لحظة تاريخية كاشفة لعمق الأزمة البنيوية التي حكمت الدولة السورية عقوداً طويلة. فالثورة التي انطلقت مطالبةً بالحرية والكرامة والعدالة لم تكن احتجاجاً على أشخاص بقدر ما كانت رفضاً جذرياً لنمط حكم قام على احتكار القرار، وإقصاء المجتمع، وتغييب المؤسسات. ومن ثم، فإن أي مرحلة انتقالية لا تنطلق من معالجة هذه الجذور تظل مهددة بإعادة إنتاج الأزمة ذاتها بأدوات جديدة، وإن تبدّلت الوجوه والعناوين.
من هنا، لا ينبغي تقييم المرحلة الانتقالية بقدرتها على فرض الاستقرار الأمني أو إعادة تشغيل مؤسسات الدولة وحسب، بل بمدى نجاحها في تأسيس عقد سياسي جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالمرحلة الانتقالية ليست إدارة مؤقتة للسلطة، وإنما فرصة نادرة لإعادة بناء الشرعية على أسس مختلفة، تقوم على المشاركة، وسيادة القانون، واحترام التعددية.
ورغم أهمية التحولات التي شهدتها سوريا بعد انتهاء حقبة النظام السابق، فإن مؤشرات عديدة توحي باستمرار نزعات مركزية في إدارة هذه المرحلة، تتجلى في طبيعة صناعة القرار، وآليات تشكيل المؤسسات، وضعف المشاركة السياسية الواسعة، إضافة إلى غياب حوار وطني شامل يضم مختلف القوى السياسية والاجتماعية والمناطق السورية. وهذه المقاربة تثير مخاوف مشروعة من أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى مجرد انتقال للسلطة، لا انتقال في طبيعة الدولة نفسها.
وتكمن خطورة المركزية في أنها لا تعيد إنتاج آليات الحكم القديمة فحسب، بل تعيد أيضاً إنتاج الشعور بالتهميش لدى شرائح واسعة من السوريين. فبعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام، لا يمكن بناء الثقة الوطنية عبر قرارات تصدر من مركز واحد مهما حسنت النوايا؛ ذلك أن الثقة تُبنى حين يشعر جميع السوريين بأنهم شركاء حقيقيون في رسم مستقبل بلادهم، لا مجرد متلقين لقرارات تُتخذ نيابة عنهم.
اقرأ/ي أيضاً: خطاب الكراهية في سوريا.. تهديد للسلم المجتمعي وعائق أمام العدالة الانتقالية
ولعل أكثر الملفات التي تستوجب توافقاً وطنياً واسعاً هي الدستور الجديد، والنظام الاقتصادي، وشكل الدولة. فهذه ليست قضايا تقنية يمكن حسمها بأغلبية سياسية مؤقتة، بل خيارات مصيرية سترسم مستقبل سوريا لعقود مقبلة. وإذا ما جرى التعامل معها بمنطق الغلبة أو الإقصاء، فإنها ستتحول إلى مصدر دائم للنزاع بدلاً من أن تكون أساساً للاستقرار.
فالدستور، على وجه الخصوص، لا يستمد شرعيته من الجهة التي تكتبه، بل من حجم التوافق المجتمعي الذي يحظى به. فالدساتير التي تُفرض من أعلى قد تنجح في تنظيم السلطة لحين، لكنها تعجز عن بناء الولاء الوطني؛ أما الدستور الذي يولد من رحم حوار واسع، ويعبّر عن التنوع السوري، فيتحول إلى عقد اجتماعي يحمي الجميع، ويحدد حدود السلطة قبل أن يمنحها الصلاحيات.
ولا يقل الملف الاقتصادي أهمية عن الملف الدستوري. فسنوات الحرب أنتجت تفاوتات هائلة بين المناطق، وخلقت تحديات تنموية غير مسبوقة. ومن هنا فإن إعادة بناء الاقتصاد لا ينبغي أن تُدار بمنطق المركز وحده، بل وفق رؤية تنموية عادلة تضمن توزيعاً متوازناً للموارد والاستثمارات، وتمنح الإدارات المحلية دوراً حقيقياً في إدارة شؤونها ضمن إطار الدولة الواحدة؛ ذلك أن التنمية المتوازنة ليست مطلباً اقتصادياً فحسب، بل هي أيضاً أحد أهم ضمانات الاستقرار السياسي والاجتماعي.
كما يجب أن يتجاوز النقاش حول شكل الدولة الاستقطابات التقليدية بين المركزية المطلقة والانفصال. فالتجارب المعاصرة أثبتت أن الدول القوية ليست تلك التي تحتكر كل السلطات في العاصمة، بل تلك التي توزع الصلاحيات بوضوح بين المؤسسات الوطنية والإدارات المحلية، بما يحقق الكفاءة والمساءلة، ويعزز مشاركة المواطنين في إدارة شؤونهم. فبناء دولة مدنية ديمقراطية لا يتعارض مع وحدة البلاد، بل يمثل أحد أهم شروط الحفاظ عليها.
وفي هذا السياق، يصبح الفصل بين السلطات، وضمان استقلال القضاء، وحماية الحريات العامة، وحرية العمل السياسي والإعلامي، ركائز لا يجوز تأجيلها إلى ما بعد انتهاء المرحلة الانتقالية. فالسلطات التي لا تخضع للرقابة تميل بطبيعتها إلى التوسع، والمرحلة الانتقالية التي تُبنى على الاستثناءات قد تنتج استثناءً دائماً يصعب تجاوزه لاحقاً.
اقرأ/ي أيضاً: الخطاب الوطني.. ركيزة المواطنة والسلم الأهلي في سوريا
إن نجاح المرحلة الانتقالية لن يُقاس بسرعة إصدار القرارات، بل بقدرتها على بناء مؤسسات شرعية تحظى بثقة السوريين. فالشرعية لا تُفرض بالقوة، ولا تُستمد من الأمر الواقع، وإنما تنشأ من المشاركة والتمثيل والشفافية واحترام التعددية. وكلما اتسعت دائرة المشاركة في صناعة القرار، ازدادت فرص نجاح الدولة الجديدة في تجاوز إرث الانقسام.
لقد دفع السوريون ثمناً باهظاً خلال أربعة عشر عاماً من الدم والتهجير والانهيار الاقتصادي، ولم تكن هذه التضحيات من أجل استبدال مركزية بأخرى، أو احتكار بآخر، بل من أجل بناء دولة يشعر فيها المواطن بأن حقوقه مصانة، وصوته مسموع، ومشاركته جزء أصيل من صناعة المستقبل.
ولهذا، فإن النقد الموجه إلى إدارة المرحلة الانتقالية لا ينبغي أن يُفهم اعتراضاً على مبدأ الانتقال ذاته، بل دعوة إلى تصحيح مساره قبل أن تترسخ اختلالاته. فما تزال الفرصة قائمة لتأسيس مرحلة انتقالية تستجيب لتطلعات السوريين، عبر إطلاق حوار وطني جامع، والتوافق على القواعد الدستورية والاقتصادية، وبناء مؤسسات مستقلة، وترسيخ مبدأ تداول السلطة، واحترام التنوع بوصفه مصدر قوة لا تهديداً.
فالدول لا تُبنى بانتصار طرف على آخر، وإنما باتفاق الجميع على قواعد عادلة تحكم اختلافهم. وإذا كانت سوريا تقف اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة التأسيس، فإن نجاح هذه الفرصة يتوقف على القدرة على الانتقال من منطق إدارة السلطة إلى منطق بناء الدولة؛ دولة مدنية ديمقراطية، يتساوى فيها المواطنون أمام القانون، وتتوزع فيها السلطات، وتُصان فيها الحريات، وتصبح المواطنة فيها -لا الانتماءات الضيقة- أساس العلاقة بين الدولة وأبنائها.
بلال الأحمد – إدلب








