بعد مرور عام على سقوط النظام، تتجه النقاشات في إدلب نحو تحديد أولويات المرحلة الانتقالية في سوريا، في ظل واقع سياسي وأمني ما يزال قيد التشكّل. ويتركز هذا النقاش على قضايا الاستقرار، واستعادة مكانة الدولة، والتوافق بين السوريين، وشكل الإدارة، باعتبارها عناصر أساسية لأي مسار مستدام.
الاستقرار كمدخل لإعادة تنظيم الدولة
يؤكد المحامي سالم الخطيب أن تثبيت الاستقرار يمثل الخطوة الأولى لإعادة ترتيب الواقع السوري، مشيراً إلى أن غياب الأمن خلال السنوات الماضية أسهم في إضعاف مؤسسات الدولة وتعطيل دورها. ويقول الخطيب: «من دون استقرار فعلي، لا يمكن الحديث عن سياسة أو اقتصاد أو إعادة إعمار. المطلوب إجراءات واضحة تمنع الفوضى وتعيد تنظيم الحياة العامة».
ويرى أن إدلب، بحكم تجربتها، تدرك أن الاستقرار لا يعني العودة إلى أنماط سابقة، بل بناء بيئة قانونية تضبط العلاقة بين السلطة والمجتمع.
التوافق الداخلي واستعادة مكانة سوريا
من جهته، يعتبر الناشط يوسف العلي أن استعادة مكانة سوريا إقليمياً ودولياً مرتبطة بشكل مباشر بالتوافق بين السوريين، مؤكداً أن الانقسام كان أحد أبرز أسباب تراجع الدور السوري. ويقول: «إعادة حضور سوريا تبدأ من الداخل. من دون توافق حقيقي، ستبقى أي ترتيبات سياسية عرضة للتعثر».
اقرأ/ي أيضاً: هواجس أبناء السويداء بعد مرور عام على سقوط نظام الأسد
ويضيف أن هذا التوافق يجب أن ينعكس في مؤسسات الدولة وفي آليات اتخاذ القرار، بما يحدّ من الاحتكار ويعزز الثقة العامة.
اتفاق 10 آذار بين الحكومة الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية
في إدلب، يحضر اتفاق 10 آذار الموقع بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة الانتقالية، كأحد التطورات السياسية المهمة في المرحلة الانتقالية. ويُنظر إلى الاتفاق بوصفه إطاراً لتنظيم العلاقة الأمنية والعسكرية، وفتح مسار لمعالجة ملفات أوسع تتصل بوحدة البلاد واستقرارها.
ويؤكد عادل معمار أن أهمية الاتفاق لا تكمن في توقيعه بحد ذاته، بل في تنفيذه العملي، ولا سيما ما يتعلق بتثبيت الاستقرار، ومنع أي فراغ أمني، وتوحيد المرجعيات. ويقول: «الاتفاق خطوة مهمة، لكن نجاحه مرتبط بآليات تنفيذ واضحة ومتابعة جدية».
اللامركزية في النقاش الدائر في إدلب
تُطرح اللامركزية في إدلب كخيار لإدارة الدولة خلال المرحلة المقبلة، لا كبديل عنها. ويرى السياسي عبدالمطلب العلي أن توزيع الصلاحيات الإدارية والخدمية يمكن أن يسهم في تحسين الأداء العام وتقليل الاحتقان، ضمن إطار وطني موحد. ويقول: «اللامركزية لا تعني إضعاف الدولة، بل إعادة تنظيمها بما يمنح الإدارات المحلية دوراً فعلياً».
اقرأ/ي أيضاً: إدلب والعدالة الانتقالية… طريق محفوف بالتحديات نحو كشف الحقيقة
العدالة الانتقالية كاستحقاق لا ينفصل عن بناء الدولة
يؤكد الحقوقي مؤيد الناصر أن تطبيق العدالة الانتقالية يمثل استحقاقاً ضرورياً لضمان عدم تكرار الانتهاكات، لكنه يرتبط بوجود بيئة مستقرة قادرة على احتضان هذا المسار. ويقول: «معالجة ملفات المفقودين والانتهاكات يجب أن تتم ضمن إطار قانوني واضح، يضمن الحقوق ويمنع الانتقائية».
ويشير إلى أن تأجيل هذا الملف إلى ما لا نهاية يحمل مخاطر مباشرة على الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
بعد عام على سقوط النظام، تعكس إدلب رؤية تركز على أولويات متدرجة: استقرار يعيد تنظيم الدولة، توافق داخلي يعيد لسوريا مكانتها، اتفاقات تُنفَّذ لا تُرحَّل، إدارة لامركزية متوازنة، وعدالة انتقالية تُدرج ضمن مشروع وطني شامل.
هذه الأولويات، كما تُطرح في إدلب، تشكّل قراءة سياسية للمرحلة المقبلة في سوريا، في وقت تتطلب فيه المرحلة قرارات عملية ومسؤولة.
بلال الأحمد- ادلب









