تُعد محافظة حمص واحدة من أكثر المناطق غنىً بالتنوع الثقافي والديني في سوريا، حيث تتشابك مكونات المجتمع في نسيج تاريخي يعكس تفاعلات معقدة بين التعايش والتوتر. وخلال السنوات الأخيرة، شهدت المحافظة تحولات عميقة، إذ انتقلت التعددية من كونها مصدر قوة إلى ساحة اختبار قاسية بفعل النزاعات المحلية. وقد ألقت الحرب بظلالها الثقيلة على هذا النسيج، ففككت روابط الثقة وعمّقت الشروخ الاجتماعية، غير أن ما يبرز في المقابل هو إصرار السكان على إعادة ترميم هذا التنوع، ليس بوصفه إرثاً ثقافياً فحسب، بل كأداة سياسية فاعلة لبناء سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية، قادرة على استيعاب الاختلاف وتحويله إلى ركيزة للمصالحة الوطنية والاستقرار المستدام.
إن فهم هذه الديناميات الاجتماعية والسياسية في حمص يتطلب مقاربة تتجاوز السطح، إذ تكمن في تعدديتها المجتمعية مفاتيح إعادة صياغة الهوية الوطنية. فالحوار المفتوح، المدعوم بضمان حقوق سياسية واقتصادية متساوية، يشكل ضرورة استراتيجية لمعالجة إرث التهميش والانقسامات التاريخية. وبهذا المعنى، تتحول حمص من مجرد جغرافيا إلى نموذج عملي لكيفية تحويل التنوع إلى قوة بنّاءة، شريطة توفر إرادة سياسية تضمن مشاركة جميع المكونات في صنع القرار، وتمهّد لانتقال سورية نحو صيغة لا مركزية أكثر توازناً وعدالة.
تقرأ/ي أيضاً: درعا ومسارات الانتقال السياسي: بين اختبار الدولة وتطلعات السوريين
ويؤكد المحامي زكوان السكري، عضو “تجمع سوريون”، أن محافظة حمص تمثل رمزاً للتنوع الثقافي والديني في سوريا، وتعكس في الوقت ذاته معاناة سكانها وآمالهم في مستقبل أفضل. ويشير إلى أن التعددية المجتمعية تشكل عنصراً محورياً في صياغة الهوية السياسية والاجتماعية للمحافظة ولسوريا عموماً، مضيفاً أن “رغبة الأهالي في تعزيز هذه التعددية تبرز كخطوة ضرورية نحو تحقيق السلام والاستقرار، رغم التحديات التي واجهتها المحافظة خلال السنوات الأخيرة”.
ويرى السكري أن أهمية التعددية تتجلى في قدرتها على تعزيز الحوار والتفاهم بين مختلف المكونات، موضحاً أن هذه العملية لا تقتصر على تبادل الأفكار، بل تتطلب إنشاء فضاءات آمنة للنقاش تتيح لكل فئة التعبير عن قضاياها وتطلعاتها. ويضيف أن “الحوار المفتوح يُعد ركيزة أساسية لبناء الثقة بين المجتمعات المختلفة، وهو أمر ضروري لتحقيق المصالحة الوطنية”، مشدداً على ضرورة إعطاء الأولوية لإطلاق منصات حوار وطني شاملة تسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي وتمكين المجتمع من مواجهة التحديات.
ويتابع السكري أن تعزيز التعددية المجتمعية لا يمكن أن يقتصر على الحوارات النظرية، بل يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية تضمن حقوق جميع المكونات. ويقول: “إن سوريا اليوم، وفي ظل واقعها الراهن، بحاجة إلى نظام سياسي ديمقراطي لا مركزي يتيح للأهالي المشاركة الفاعلة في صنع القرار، ويضمن تمثيلاً عادلاً يستوعب التنوع ويمنح الجميع فرصة التعبير عن مصالحهم”.
ويختم السكري بالتنبيه إلى مخاطر الإخفاق في تحقيق التعددية، معتبراً أن ذلك قد يؤدي إلى تفاقم الانقسامات وتهديد الاستقرار الاجتماعي، مضيفاً: “إن التحديات التي تواجه حمص ليست فقط نتيجة للصراع المستمر أو حالة الفوضى الأمنية، بل هي أيضاً نتاج لعقود من السياسات التي همّشت بعض الفئات. لذا، فإن إعادة بناء الثقة تتطلب معالجة جادة لهذه القضايا، والاعتراف بالظلم، والعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية كمدخل أساسي للمصالحة”.
في المقابل، ترى الباحثة الاجتماعية ديمة المشرقي أن التعددية في المجتمع الحمصي يجب أن تُستثمر وطنياً، محذّرة من أن الواقع ينذر بتحديات كبيرة. وتقول: “إذا لم يكن السوريون على قدر هذا الحمل الوطني، فإن البلاد ستبقى عالقة في دوامة الفوضى”.
وتؤكد المشرقي أن التعددية المجتمعية تُسهم في تشكيل الهوية الوطنية، موضحة أن الأمر يتجاوز مجرد قبول الاختلاف ليصل إلى ضرورة تعزيزه كمدخل أساسي لبناء سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية. وتشير إلى أن حمص لطالما كانت مركزاً للتفاعل بين مختلف المكونات، ما أوجد بيئة غنية بالتنوع الثقافي والديني، إلا أنها تضيف بصراحة: “إن واقع المدينة والريف اليوم صعب للغاية، والانتهاكات مستمرة، وهو ما يفاقم الانقسامات بين المكونات ويهدد النسيج الاجتماعي”.
اقرأ/ي أيضاً: مبادرات أهالي حماة… الحوار المجتمعي طريق لترميم الهوية الوطنية وبناء توافق سوري
وتلفت المشرقي إلى أن فقدان روح التعددية قد يقود إلى تفكك اجتماعي خطير، مؤكدة أن تعزيزها يمثل خطوة أساسية نحو تحقيق ديمقراطية حقيقية، تقوم على توفير فرص متساوية لجميع المكونات في المشاركة السياسية والاجتماعية. وتوضح أن السوريين يتطلعون إلى نظام سياسي يضمن تمثيلاً عادلاً ويتيح التعبير الحر عن المصالح والآراء.
وتختم المشرقي بالقول: “إن أهمية التعددية تكمن في قدرتها على تعزيز الحوار والتفاهم، فالحوار المفتوح بين المكونات هو الطريق نحو المصالحة وبناء الثقة. ورؤية أهالي حمص تعكس إدراكاً عميقاً لأهمية التنوع في بناء مستقبل سوريا، رغم صعوبة الطريق والحاجة إلى جهد جماعي وإرادة سياسية قوية”.
ختاماً، لا يمكن فصل التحديات التي تواجه محافظة حمص عن سياقها التاريخي، فهي ليست مجرد انعكاس لتداعيات النزاع، بل نتيجة تراكمات طويلة من السياسات الإقصائية التي أضعفت الروابط الاجتماعية. وعليه، فإن تحقيق الاستقرار في سوريا يتطلب معالجة جادة لهذه الجذور، من خلال الاعتراف بالانتهاكات والعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية، بما يعزز التعددية المجتمعية كخيار وطني جامع، ويؤسس لهوية سوريا مشتركة قائمة على الشراكة والتنوع.
سحر الحمصي- حمص









