مجلس سوريا الديمقراطية

هل تكون إدلب زاوية أخرى عصية على التدوير ما بين روسيا وتركيا؟

بقلم: سيهانوك ديبو

يوم غد؛ حتى لو توصل فيه بوتين وأردوغان إلى سوتشي (معدّلة) فإنه يبقى التعديل الذي لا يمكن ضبطه. أما افتقاد امكانية عدم الضبط فبسبب النيران نفسها التي تطبخ التعديل والتي لا يتحكم فيها الرئيسان وحدهما. نار إدلب هي جزء من نيران سوريا التي تلتهب بدورها أو غير منقطعة بالأساس من النفخ والحطب وكذا النيران الموجودة سابقاً واليوم وربما لاحقاً في المنطقة والعالم.
صحيح أنه ما بين روسيا وتركيا مصالح مشتركة كبيرة تقدر بعشرات المليارات؛ يعلمها الجميع: إنْ في مجال السياحة، أو النفط وخطوط الغاز، أو في حجم التبادل التجاري الضخم، أو في مجال بناء المفاعل النووي الروسي في جنوب تركيا، أو في مجال إنشاء عشرات من الشركات المشتركة بفروع موزعة موازية بين تركيا وروسيا، أو حجم علاقات المصاهرة التركية الروسية إذْ تقدر الأرقام في ذلك إلى وجود أكثر من مئة ألف وتعود غالبها إلى الأعوام القليلة المنصرمة، أو إلى سماء تركيا التي تحتاجها طيران موسكو للوصول إلى سوريا والشرق الأوسط، أو إلى مياه تركيا في البوسفور والدردنيل. أُضيف إلى كل ذلك شراء تركيا لمنظومة الإس 400. كل ذلك صحيح وربما أمور أخرى نسجت بين الطرفين أو تنسج في ضوء هدف موسكو من تحقيق حلمها المؤجل لعديد من القرون المعروف بالمشروع الأوراسي، لكن كل ذلك يصطدم بوقائع التاريخ الذي يفرض نفسه كلعنة جغرافيّة لا تتوقف كثيراً ولا تفهم أو تتفهم للغة المصالح. فبين روسيا وتركيا؛ كامتدادين لروسيا القيصرية والسلطنة العثمانية؛ 13 حرباً. انتصرت روسيا 11 مرة وخسرت باثنتين منها جرّاء تحالف فرنسا والنمسا معها. وإن حروب الطرفان ناجمتان بالأساس عن عمق التناقض بينهما أو الاستعصاء الذي يحدث والفشل الذي يتحقق حين عدم القدرة في الوصول إلى تحقيق واجبٍ لموازاة بينهما؛ بخاصة في الأوقات التي تفرض نفسها أن تتحصل الموازنات والتوازنات، كما حال اليوم، وبأن مؤديات اندلاع تلك الحروب لم تختفي إنما تعدلّت أيضاً ونالها التضخم، وهي اللحظة مغلّفة بوشاح المصالح، ولا يُعتقد بأنها تصمد أو تبقى كذلك. أسباب الحروب ال13 في كليّتها ما تزال موجودة ولم يكتب لها الحل. كتب لها التأجيل تعديلاً.
تكاد تكون تركيا الحديثة معيّرة على زنبرك فريد؛ تتفرد بها تركيا عن باقي الدول في المنطقة والعالم. لم تتزعزع بريطانيا –مثالاً- حين غادرت هونغ كونغ لأن اتفاقاً اقتضى بأن تنسحب منها بعد 107 وأعوام. ولكن تركيا التي احتلت شمال قبرص في العام 1974 ولم يعترف بها أية دولة إلى اللحظة لا تستطيع انهاء ذلك، وكأنه إذا ما فعلت ذلك فإن ارتدادات ذلك تكون كبيرة جداً على الداخل التركي. كذلك الوضع نفسه المتعلق بضم غير قانوني للواء اسكندرون السورية 1937، واللحظة لعفرين ورأس العين وتل أبيض والباب وجرابلس، ومن قواعدها العشرين في العراق وإقليم كردستان العراق. يعود ذلك ودون عناء التحليل إلى أن تركيا الحديثة دولة (1923) تم تجميعها بطريقة فريدة؛ إذْ أن قسم منها أرمنية وقسم منها يونانية وأقسام منها سورية وكردستانية. وللحقيقة أو كأن الحرب العالمية الأولى لم تنتهي بعد بالرغم من مضي القرن الكامل عليها، وأن وثيقة المنتصرين التي سميت (سلام ما بعده سلام) تثير الكثير من الشكوك، واندلاع الحرب العالمية الثانية سببه عدم تحقيق الأهداف التي سبّبتها الأولى، واستعارة أو تهيئة الثالثة التي نشهدها بشكل ملحوظ في سوريا يحيلنا كي نتفهم ذلك إلى درجة كبيرة. تركيا ليست فقط دولة تم تجميعها على النحو المرئي الحديث إنما خالفت وثائق تأسيسها المقرة في الدورة الأولى للبرلمان التركي في مارس آذار 1922 وبخاصة في جزئية مهمة منه نصّت على منح الكرد شبه الاستقلال الذاتي السياسي والاقتصادي. الكرد الذين شاركوا بضراوة في معارك التحرير وتأسيس تركيا الحديثة –شأن الكرد في ذلك في جميع الدول التي قُسِّموا فيها وعليها- وبسببهم تحقق تحول غاليبولي 1915 و1916 وإثرها تم إلحاق هزيمة كبيرة بفرنسا وبريطانيا العظمى وقت ذاك. هذا جزء يسير من حقائق تم التحفظ عليها والانتقاص من قيمتها ثم التنصل منها والتشويش عليها والتضليل بها وتحريفها لاحقاً؛ تماماً. في ذلك ربما يكتب مؤرخو تركيا اليوم بأن تركيا من قامت بالقضاء على داعش الجغرافية! علماً بأنها الوحيدة التي لم تشترك في أهم معركتين تاريخيتين ضد الإرهاب في الألفية الثالثة وهما معركتي الموصل والرقة.
يوم غد؛ لو سلمّت موسكو كل إدلب إلى تركيا، ولو سلمتها كل شمال وشرق سوريا، وليس مقايضة كوباني بإدلب فقط كما يشاع اللحظة، ولو تم تسليم تركيا كامل مناطق (الميثاق الملي) بما فيها إقليم كردستان العراق؛ فإن حجم التناقض ما بين موسكو وأنقرة يزداد سوءً، إذْ أطلق أردوغان إشارة أوكرانيا -مسبقاً- والقرم كامله رافضاً (احتلال) روسيا لأوكرانيا. فكلا الطرفين ينطلق من منطلق قومومي صرف أي عثمانية وسلافية، يزيده بأن تركيا الأردوغانية هي توسعية بمخططات هيمنة تصر على عودة التاريخ إلى الوراء والاستيلاء على مقدرات المنطقة برمتها، وبالتالي استعمار الشعوب وسلب إرادتها.
هذه المنطقة سيصيبها الكثير من التغييرات أغلبها قسرية ومفروضة على شعوب المنطقة. فإنه ليس بالمصادفة أن يتذكر الكونغرس بأن إبادة حدثت بحق الشعب الأرمني، وقد كتبنا في ذلك بحثاً تم نشره منذ لحظة إقرار الإبادة من قبل الكونغرس الأمريكي. وما يقابلها من اجراءات تشير الأرقام الأولى إلى إلزام أنقرة بدفع نحو ترليون و800 مليار دولار أمريكي إلى يريفان أرمينيا. لن تستطع أنقرة تحمل ذلك، وربما الجواب الشافي والأقرب إلى ذلك هو عن مصير اتفاقية قارس موسكو 1921 والتي يتم اللجوء إليها كل 25 سنة من قبل روسيا وتركيا، وعلى الرغم من أن الاتفاقية قد صابها التمرير ثلاث مرات، ويفصلنا عنها نحو العام من الآن. فإن اسئلة تتراكم منذ الآن ومن زاوية إدلب الحادة؛ هل ستمددها موسكو؟ هل ترفض تمديدها؟ هل ستعدلها؟ أجوبة تلك الاسئلة المصيرية من الصعوبة التكهن بها. لكن يمكن التكهن بمعالمها الأساسية في ظل الأوضاع الصعبة التي يمر بها العالم والشرق الأوسط بشكل خاص. وربما بأن خرائط ودرو ويلسون متموضعة اللحظة على طاولة صنع القرار العالمية.
ليس بسبب انتمائنا الكردي وحسب إنما بسبب حرصنا الشديد على إدراكنا لسوريتنا وعلى دورنا في مستقبل سوريا؛ فإن سوريا دخلت نفقاً أشد ظلامية وظلماً حينما منحت موسكو الضوء الأخضر لتركيا الأردوغانية باحتلال عفرين. وحينما تواطأ مجلس الأمن لذاك الاحتلال وحينما أشاحت الأمم المتحدة ناظرها عن مقاومة عفرين التي دامت 58 يوماً؛ مقاومة العين للمخرز. كان للرئيس الروسي بوتين أن يعلم وقتها؛ والقاعدة تقول بأن الغريم أكثر من يعلم ما يدور في خلد غريمه؛ بأن إخراج تركيا الأردوغانية من عفرين ومن أي منطقة تحتلها سيكون بأكلاف باهظة، أو مؤجلة ربما إلى هذه هي اللحظة. ليس بسبب سوريتنا وحسب وإنما بسبب منطق التاريخ فإن تحرير إدلب يبدأ من تحرير عفرين بشكل خاص، فإن لحظة احتلال عفرين سقطت إدلب في أفخخ من الصعب الخلاص منها منفردة. وبأنه من تلك اللحظة بتنا أمام مصطلح واضح: من هو الوطني في سوريا ومن هو بغير الوطني، وقفز على إثره مصطلح المعارضة والموالاة إلى الخلف؛ على الرغم من أهميتها القصوى.
هذه هي سوريا اللحظة، وهذه هي المنطقة كلها، منفتحة على العديد من الاحتمالات، وعلى القليل من التوازنات القاضية بالاستمرار تخفيّاً وراء غبار حرب الوكلاء بدل من الأصلاء. لن يبقى حجر على حجر –هذا ليس بالغلوِّ إذْ لم يكن لحظة بالرغبة- طالما هناك من يحاول الاحتماء تحت العباءة شديدة الوقاحة والوساخة والاهتراء، ويرى بأنها هي الحل الذي مفاده (الدولة القومية المركزية). ولأن أردوغان وجرّاء سياساته المتهورة وديكتاتوريته الفاشية فلم يعد لديه ما يخسره؛ كل الاعتقاد يشير بأنه من غير الممكن أن يبقى طويلاً في ظل التفكك الذي أصيب بمنظومة حزبه وبالانقسام الحاد في المجتمع التركي ورفض أغلبية الشعوب في تركيا لحروب أردوغان العبثية الشعبوية في كل المنطقة، لكن هذا الشيء لا ينطبق البتة على فلاديمير بوتين.

 

تنويه:الآراء الواردة في المقالة تعبر عن رأي الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبر عن رؤية المجلس(مسـد)

مجلس سوريا الديمقراطية