مجلس سوريا الديمقراطية

عفرين عروس الشمال التي لم تُزفّ بعد

د. مهيب صالحة

من لم يذق طعم زيتها الطيب، وماءها العذب، لم يعرفها قط. إنّها تلك المدينة الجذابة الشامخة دوماً فوق أكتاف تلال الزيتون والمستريحة في أحضان منحدراتها وسهولها.

قد لا يزورها المرء في يقظته لكنه زائرها في حلمه. وقد لا يراها بعينه لكن الأذن تعشق قبل العين والقلب أحيانا.

جمالها الآسر في بساطتها التي مهما حاول معمارها الحديث أن يخفيه، فإنه يخرج مع كل طلعة شمس من كل بيت من بيوتها، ومن كل ركن من أركانها، ومن كل شارع من شوارعها المطرزة بالزهر والريحان. وتحت كل موطئ قدم فيها شيء من رائحة عشتار وتموز، تفوح بالعشق والخصوبة السرمدية، وفوق كل صخرة من صخورها، أو تلة من تلالها صرخة حرية مدوية، مضرجة بدماء بطلاتها وأبطالها الميامين. ونسمات عليلة معطرة برائحة زكية تهب من نفوس أهلها الطيبين.

كم تشبهين يا عفرين مدينتي؟

ربما تكونين توأمها!!

من رحم المعاناة كانت ولادتكما الأولى..

وربما يكون لكما ذات المصير!!

آه كم أود التشبه بكما!!

وأن أتّحد وإياكما في أول العشق وآخره..

لعل ترتاح روحي بولادتكما الأخيرة

عفرين يا عروس الشمال، كما مدينتي عروس الجنوب

سكت الكلام في الحلوق

ما عادت تصدح أهازيج الفرح ولا زغاريد الصبايا..

وحيث يخيم صمت الرجال يستبيح عذريتكما “زعران” الهيكل وشذّاذ الآفاق..

لكن الجمال سيتمرد على كومة القبح ويتمرد الحلم على الكوابيس الآتية من كل صوب..

عفرين مدينة العشق الشرقي تنزف دماً ودموعاً على أديم الأرض البتول التي تتفوق بجمالها الطبيعي الجذاب. وديانها كثيرة تتدفق في مجاريها مياه جبلية عذبة، وجبالها شامخة تقص مع الريح حكاياها، وسهولها مبسوطة تثرثر بصوت منخفضٍ مع أشجار الزيتون عن أشياء لا يعرفها سواها، وبساتينها تجود بما لذ وطاب من ثمار، وخضرتها تمتزج في النهار بخيوط شمس دافئة، وفي الليل بضوء قمر يطل برأسه البهي من بين غيومها، وتلفها قرى جبلية شامخة تتسامر معها بطلاتها البهية.

يحمل مغتصبوكِ  يا عفرين بيدهم الملطخة بالدماء “غصن زيتون”، ولكن جرافاتهم كانت تقتلع أشجار زيتونكِ، وبسمات أطفالك عن وجوههم الصبوحة. يتذرعون بمحاربة الإرهاب ولكنهم يمارسون أفظع أشكاله بحق أهلكِ العزّل، يقتلونهم ويعذبونهم ويهجرونهم ويستولون على بيوتهم وبساتينهم ودكاكينهم، ويحطمون تراثهم ويزورون تاريخهم، ويُسكنون محلهم غرباء لو سألتهم قَبلُ: أين تقع عفرين؟ لما عرفوا.!!

تقع عفرين في أقصى شمال غرب سوريا على ضفتي نهر بينهما عشق أزلي، تحاذيها مدينة إعزاز من جهة الشرق ومدينة حلب، التي تتبعها عفرين إدارياً، من جهة الجنوب، وإلى الجنوب الغربي محافظة إدلب، وتحاذي الحدود التركية من جهة الغرب والشمال.

تتميز بتضاريسها الجبلية الرائعة، مساحتها حوالي /3800/ كيلومتر مربع، أي ما يعادل٢% من مساحة سوريا الإجمالية. ويبلغ عدد سكانها قبل “احتلالها” حوالي نصف مليون نسمة وفق إحصاءات 2012، لكن العدد ارتفع بسبب تدفق النازحين إليها من محافظة حلب والمدن والبلدات المجاورة ليصل إلى أكثر من مليون نسمة.

وبعد ا”لاحتلال” جرت تغييرات خطيرة في بنية وتعداد سكانها، ومسوحات إحصائية خاصة بالعقارات والأملاك في سياق عمليات التغيير الديموغرافي التي تمارسها تركيا.

وتضم منطقة عفرين نحو /350/ قرية وبلدة صغيرة وكبيرة، من أهمها عفرين المدينة  وجندريسه وبلبلة وشيّا وراجو وشرا، وفيها سد السابع عشر من نيسان وخلفه بحيرة يقصدها السياح والزوار، والعديد من المواقع الأثرية مثل قلعة سمعان وقلعة النبي هوري وتل عين داره والجسور الرومانية على نهر عفرين وجسر هره دره.

لقد أدّى “احتلال” تركيا لعفرين في 23 آذار/ مارس 2018 بتواطؤ دولي ـ بالرغم من الإدانة الشكلية من قبل البعض ـ إلى تقاسم النفوذ في الشمال السوري، حيث عزّزت روسيا وإيران نفوذهما في مدينة حلب وريفها الشمالي، وحصلت تركيا على “منطقة آمنة” من خلال توسيع نفوذها شمال غربي سوريا، واستفردت الولايات المتحدة الأمريكية بشرق الفرات، وتوزعت القوى الداخلية على خارطة هذا التقسيم.

وتأتي أهمية عفرين الجيوستراتيجية كونها تفصل بين مناطق سيطرة فصائل “درع الفرات” التي تدعمها تركيا في جرابلس، والباب، وإعزاز، ومارع، إلى الشرق منها ومحافظة إدلب في الغرب، وبالتالي فإنّ “احتلال” تركيا لعفرين يمنحها السيطرة على جميع المناطق الحدودية الواقعة بين مدينة جرابلس غربي الفرات و البحر المتوسط، وتقطع أي تواصل بين الكورد السوريين شرقي وغربي الفرات.

ويأتي في هذا السياق “احتلال” تركيا  للمنطقة الواقعة ما بين رأس العين وتل أبيض، بعد غزوها بتواطؤ دولي أيضاً لشمال شرقي سوريا، وللمنطقة جنوب غرب محافظة إدلب بعد اتفاق موسكو في الخامس من آذار/مارس الفائت، استكمالاً لخططها العدوانية وتحقيق أطماعها التاريخية في الشمال السوري.

ومنذ “احتلال” تركيا لعفرين، لا يكاد يمرّ يوم من دون أن تنتهك حقوق الذين تشبّثوا ببيوتهم وأرزاقهم من السكان الأصليين، وبدون أيّ فعل إيجابي من الدول والمنظمات الأممية لوقف هذه الانتهاكات.

ومع مرور عامين ونيّف على “احتلال” عفرين ينتظر الذين هُجِّروا من بيوتهم وتمّ الاستيلاء على أرزاقهم العودة إلى ديارهم ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبوها، وتزداد معاناة العفرينيين تفاقماً بسبب تحول المنطقة من قبل عصابات تركيا المسلّحة وعسكرها واستخباراتها إلى مرتع خصب لعمليات السلب والنهب والخطف والقتل والاعتقال والانفلات الأمني، علاوة عن تدمير حقول الزيتون وسرقة إنتاج المزارعين وتهديدهم وفرض الإتاوات عليهم.

عفرين يا عروس الشمال التي لم تُزَّف بعد إلى فضاء الحرية، جرحك يغور في أعماقنا، يحفر فيها أخاديداً، وفي كل أخدود يخبئ حكاية بطولة على درب الآلام لم تسرد بعد. طعنات خنجرٍ مسمومٍ من غاصبٍ غادرٍ قد تفصد الروح عن الجسد المتهالك برهة، ولكن يستحيل أن تسرقها منه، لأنّ في صمود الروح لحن يفيض بالحياة من رحم الخلود.

أنتِ مدينة الشمس الدافئة وأشجار الزيتون الوارفة، دموعك غالية لا تذرفيها ذرفاً، فجّريها في وجوههم من جبالك الزاهية الشامخة، براكينَ غضبٍ تزلزل الأرض الثائرة تحت أقدامهم.

د . مهيب صالحة

كاتب وأكاديمي سوري

استاذ الاقتصاد وعميد سابق في الجامعة العربية الدولية

ملاحظة: ماورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رؤية وموقف مسـد

تنويه: المقال نشر في موقع وكالة نورث بريس بتاريخ 16/4/2020

مجلس سوريا الديمقراطية