مجلس سوريا الديمقراطية

من المستفيد في النفخ بقربة الفتنة في دير الزور؟ وهل ينجحون؟

يقلم:سيهانوك ديبو

يعتبر الكثير؛ بأنّ في آخر ترسيم حدود لها وتركيا الحديثة ظهرت سوريا الحديثة العام 1937؛ علماً بأن تركيا نفسها لم يمض على نشوئها الحديث سوى أقل من عقدين. الحدود في كافة أصقاع المشرق الأوسط تبدو اليوم بأنها حدود اللعبة. فحينما لا تتحول الجغرافية إلى تراب للدولة الوطنية وجزء من شواهد السيادة، أو حينما تهتز الجغرافيات وتتقلص وتتمدد وتتمزق في منعطفات سيرها؛ فإن أفضل التوسيمات المناسبة لها هي اللعبة. لعبة الأمم؛ ولعبة المستبدين إنْ كانوا عالميين أو إقليميين أو محليين. فلكل منهم دور من إنجاز اللعبة. يغادرون أو يختفون حين تنتهي الأدوار. أما ترسيم سوريا فقد جرى وقتها حين كانت مرصودة تحت سلطة الانتداب الفرنسي.
من جزئية استفحال وباء العمى الأبيض الذي يشبه إلى حد ما استفحال الجائحة كورونا؛ تيّقن الكثير وقتها بأن الخلاص الملاذ يكمن في زيارة دور العبادة/ الكنيسة لاسترداد البصر؛ يقول خوسيه ساراماغو في روايته (العمى): ولأن العميان لا يروون الصور فالصور لا تراهم أيضاً، الصور ترى بحسب العيون التي تراها. ربما ينطبق هذا أيضاً على الجغرافيات التي خلّفتها سايكس بيكو بعمى أو حقد أعمى. وبأن الأوطان لا ترى شعوبها إنما ترى كيفما يرونها وينظرون إليها ولها. أما أبرز النتائج التي تحصلت منذ ذاك الحين وإلى الآن بأن خاصية الانتماء السوري وتشكيل الهوية الوطنية السورية لم يتحققا إلى اللحظة، وأغلب الجهود الوطنية التي صيرت في ذلك نالها التعثر أو عدم الاكتمال في أحسن الأحوال. لقد كان حجم التقسيمات التي نالت سوريا في المرحلة الوطنية أو في مرحلة ما بعد انتداب فرنسا؛ كبيرة جداً، إذْ بدأت مع سلطة الانفصال عام 1962 حينما جردت أكثر من 150 ألف سوري من جنسيتهم. غالبيتهم الساحقة كانو من الكرد، علماً بأن سلطة الانفصال جرّدت أيضاً العشرات من العرب والسريان والأرمن من الجنسية السورية. ومثل لعبة المسافات الطويلة؛ فقد لاحظ السوري بأن مستبداً انتهى دوره يسلِّم آخراً تركة كيفية التقسيم السوري والانفصال عن الواقع السوري المتعدد؛ فكان الحزام الأول –وإنْ جرى تحت اسم العربي- فإن الضرر نال العربي أيضاً وبأضعاف مماثلة لشريكه التاريخي الكردي- وذلك في العام 1975، ولا يختلف اثنان على أنه التغيير الديمغرافي الأول في سوريا الحديثة. ولم تستطع سلطة الاستبداد المركزي في دمشق من خلق حالة احتراب عربية كردية؛ ولم يسجل إلى اللحظة بالرغم من حدوث تغييرات ملحوظة حالة انتقام واحدة؛ بالرغم من حالة الرأب التي خلّفها جراء ذلك. وقد فشل مرة أخرى في انتفاضة الكرد في القامشلي 2004؛ حينما اختارت غالبية العشائر العربية المصير المشترك واحتمت بالأخوة العربية الكردية والاصرار على العيش المشترك بدلاً من السطو على ممتلكات الكرد ومقدراتهم. يستثنى من ذلك بعض الشخوص التي يستعصي عليها الاحتكام إلى طول وعرض التاريخ المشترك بين مكونات المنطقة وبشكل مميز بين العرب والكرد. وهؤلاء لم تستطع انتماءاتهم القبلية ولا القومية أن تقبل بهم كممثلين عنها. في ذلك؛ ولن يسمح أن يفهم على أنه اللمز والغمز؛ فقد تعال في نيّفِ الأعوام السابقة؛ الكثير من الأصوات النشاذ بطرد (عرب الغمر) من المنطقة ولكن الإدارة الذاتية الكردية العربية السريانية الآشورية رفضت ذلك واختارت التاريخ ومستقبل التاريخ مرة أخرى، وتوجهت برؤية المحرر وذهنية صاحب المشروع النهضوي وقدمت الغالي والنفيس في تحرير الرقة بدعم من التحالف الدولي العربي ضد الإرهاب بتاريخ 17 اكتوبر تشرين الأول 2017.
الحراك الثوري السوري في آذار 2011 يعد قبل كل شيء التعبير القويم عن رفض شعب سوريا بكل تكويناته وبكل تعدديته لنظام الاستبداد المركزي ولاستئثار زمرة استبداد شكلت منظومة أصرت على رؤية مقعرة لمشهد الاجتماع السوري. هو الرفض من أجل تأميم السلطة؛ وإن تعثّر في مناطق سوريّة كثيرة بفعل نموذج المعارضة المعتلة التي قدمت نفسها بأنها هي المعارضة السورية وهي اليوم –في أغلبها- أداة احتلال تركيّة وأمثلة على محاولة شرعنة الجرائم والاحتلالات التركية لمناطق من شمال سوريا. أما حالة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا فتكاد أن تكون ترجمة الجانب العملي للحراك الثوري السوري، وحالة قويمة أو نموذج حضاري في مشاركة السلطة، أو تشتيت السلطة الاستبدادية المركزية. كما أنها تعتبر اللحظة الحل المتقدم للأزمة السورية في عامها العاشر. أما الجريمة البشعة التي وقعت بحق أحد شيوخ عشيرة العكيدات السورية فهي مدانة والشيخ الشهيد وقبله اغتيال شيوخ شهداء فإن المستفيد منه هو/م إنهاء نظام الإدارة الذاتية كجزء من النظام الإداري السوري العام، وهم ليسو بالقليل: أصحاب المشاريع التي مضت ولا يمكن استرجاعها: العثمانية وغيرها، كل من يصر على تطويع سوريا وفق النظام المركزي قبل العام 2011، كل من يبغي أن يستمر حالة الصراع غلى الشرق المتوسط وسوريا منها بشكل مفتاحي. والخاسر الأكبر من بقاء الإدارة الذاتية هم الواهمون على إبقاء سوريا في قفص القومية الواحدة والدين الواحد؛ وهؤلاء هم النمطيون؛ هم الانقساميون، المنفصلون عن الواقع، هم في الواقع ينتمون فقط ويدرجون تحت خانة هوس السلطة والذين يعرضون أنفسهم لكل متدخل في الشأن السوري كرموز للتسلط الجديد في معادلة/ لعبة الشرق الأوسط الجديد.
بجملٍ مقتضبة:
– شعب الجزيرة والفرات يرفضون -وهم سلة الغذاء السورية الأولى- العودة كي يتم إدراجهم تحت يافطة المناطق النامية.
– تكوينات الجزيرة والفرات السورية بعربهم وكردهم وسريان آثورهم وتركمانهم؛ مسلمين مسيحيين إيزيديين لن يقبلوا سوى إدارة مناطقهم بنفسهم؛ وهم الذين دافعوا عن سوريا الموحدة بدمائهم السخية في قوات سوريا الديمقراطية: القوات الكردية العربية السريانية.
– شعب سوريا من القنيطرة إلى إدلب إلى ديريك (الاسم السرياني المعرّب إلى المالكية) غريبٌ غنهم ثقافة الاقتتال على أساس القومي العرقي والديني الطائفي؛ لن يكونوا –وهذه المرة من شرقي الفرات- مرة أخرى إلّا مرتكزات إفشال لمن يبغي بتحويل المنطقة من حالة أمن واستقرار في ظل الإدارة الذاتية –رغم الأخطاء والعيوب- إلى حالات للتدمير يخسر جرّائها الجميع.
لا يمكن النظر إلى ما يحدث في المشرق الأوسط –سوريا مركزه- إلّا ضمن المنظار نفسه. استوحاش العثمانية الجديدة واصرارها على عودة وطنها الأزرق: من المغرب إلى الصومال وتهديد مصر وتطويقها، إلى استعمار جديد للخليج العربي واحتلال لشماليّ سوريا والعراق/ إقليم كردستان العراق، والتغول المكثف في لبنان، ونهب مقدرات شعوب المنطقة. من هذه المرحلة الحرجة ألف سبب وسبب لتراص الصفوف وترسيخ جسور الثقة بين مختلف تكوينات سوريا وليس في شرقي الفرات وحده، وبأن سوريا بشكل خاص تصلح أن تكون البداية لإفشال كل المشاريع على أساس التعصب القومي والديني. وبأن حالة التنوع نعمة وليست نقمة. فالعيون والعقول السورية لا ترى سوى صورة التنوع والتعدد؛ دون مفاهيم خاوية كأكثرية وأقلية. مع كل مفهوم يؤكد الجمع والاجتماع السوري العادل.

مجلس سوريا الديمقراطية