تمر الذكرى الأولى لسقوط النظام البائد في ظل مشهد سياسي معقّد، يتقاطع فيه الأمل الشعبي بالخلاص من الاستبداد مع واقع انتقالي مضطرب لم تنجح الحكومة الانتقالية في ضبط إيقاعه أو بلورة مساره حتى الآن. فبعد عام على التحوّل المفصلي الذي أنهى عقوداً من الحكم الشمولي، ما تزال البلاد عالقة بين وعود التغيير وصعوبات الانتقال، وسط غياب رؤية جامعة لشكل الدولة المقبلة وآليات إدارتها.
وكان كثير من السوريين قد اعتقدوا أن سقوط النظام سيفتح الباب تلقائياً أمام بناء دولة حديثة قائمة على القانون والمؤسسات، غير أن الوقائع الميدانية والسياسية أظهرت أن مرحلة ما بعد السقوط أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً. إذ برزت هشاشة البنية الانتقالية، وضعف المؤسسات الناشئة، وتفاقم الخلافات حول هوية سوريا الجديدة ونظام حكمها، في وقت لم تُحسم فيه بعد الأسئلة الكبرى المتعلقة بالعدالة والتمثيل وتوزيع السلطة.
السياسي الليبرالي سمير نشار يرى أن مرور عام على سقوط النظام لم يبدّد حالة الغموض، بل عمّقها، لا سيما بعد الأحداث الدامية التي شهدتها مناطق الساحل والسويداء، والتي أعادت التأكيد على هشاشة الوضع الأمني وتصدّع النسيج المجتمعي. ويعتبر أن هذه التطورات كشفت محدودية قدرة الحكومة الانتقالية على إدارة التنوع الاجتماعي والسياسي، وأظهرت أن الاستقرار ما يزال بعيد المنال.
اقرأ/ي أيضاً: إدلب بعد عام على سقوط النظام: أولويات الاستقرار وبناء الدولة
ويعزو نشار ضعف المرحلة الانتقالية إلى افتقار قادة الحكومة الجديدة للخبرة السياسية، موضحاً أن معظمهم جاء من ساحات القتال لا من ميادين العمل السياسي والإداري، ما انعكس ارتباكاً في إدارة الدولة وتفرداً بالقرار. ويشير إلى أن الحكومة الانتقالية لم تجتمع كمجلس وزراء إلا مرة واحدة منذ تشكيلها، بينما يتركّز القرار التنفيذي بيد رئيس الحكومة، في ظل غياب آليات مؤسسية واضحة أو ضوابط رقابية فاعلة.
وبحسب نشار، تتمثل أبرز نقاط الضعف في تفكك وحدة السوريين بعد سقوط الأسد، واستمرار التوترات بين المكونات الاجتماعية، مقابل نقطة قوة أساسية تتمثل في الدعم الإقليمي والدولي، الذي ما يزال يشكل عاملاً مانعاً لانهيار المشهدين السياسي والاقتصادي بشكل كامل. ومع ذلك، يلفت إلى أن “هيئة تحرير الشام ما تزال لاعباً مركزياً في الشمال، حيث تتحكم بعملية صناعة القرار سواء على مستوى الحكومة أو المؤسسات الإدارية، وهو ما يعمّق أزمة الشرعية ويعطّل تشكّل مؤسسات مدنية فاعلة”.
من جانبه، يرى الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية علي عبد المجيد أن الإشكاليات البنيوية في المرحلة الانتقالية أعمق من مظاهرها الظاهرة، مشيراً إلى غياب أجندة واضحة للعدالة الانتقالية، واستمرار الانقسامات الفصائلية والجغرافية، وضعف الهياكل الإدارية التي تُنشأ من دون إطار تشريعي موحد. ويؤكد أن غياب مؤسسة تشريعية تغطي كامل الجغرافيا السورية يكرّس حالة الفوضى الإدارية، ويجعل عملية إعادة بناء الدولة مهمة شديدة التعقيد.
ويشير عبد المجيد إلى أن الحكومة الانتقالية تواجه صعوبة في الانتقال من نموذج الحكم الأمني المركزي إلى نموذج حديث قائم على مؤسسات مدنية، لافتاً إلى أن القوانين الناظمة للإدارة المحلية ما تزال غير مكتملة. ورغم وجود مؤشرات على توجه تدريجي نحو اللامركزية، مثل إعادة تقسيم مدينة حلب إلى مناطق إدارية جديدة، إلا أن هذا التوجه ما يزال في مراحله الأولى، ولم يُترجم بعد ضمن لوائح تنفيذية شاملة تضمن فاعليته واستدامته.
وفي سياق النقاش حول شكل الدولة السورية المستقبلية، يبرز تباين في الرؤى بين طرح قدمه سمير نشار يقوم على تقسيم البلاد إلى ستة أقاليم، وبين رؤية تفضّل اللامركزية بوصفها الإطار الأكثر واقعية وقدرة على منع إعادة إنتاج الاستبداد. ويرى عبد المجيد أن اللامركزية ليست خياراً سياسياً ظرفياً، بل ضرورة بنيوية لنجاح المرحلة الانتقالية وإعادة بناء مؤسسات الدولة، معتبراً أنها تمثل صمام أمان يتيح مشاركة أوسع للمكونات المحلية، ويكسر احتكار القرار السياسي والاقتصادي، ويضمن حضور الكفاءات من مختلف الجغرافيا السورية.
اقرأ/ي أيضاً: هواجس أبناء السويداء بعد مرور عام على سقوط نظام الأسد
وعلى الرغم من تحديات العام الأول، تشير تحليلات عبد المجيد إلى وجود عناصر قوة يمكن البناء عليها، من أبرزها رغبة السوريين في العيش المشترك، وارتفاع مستوى الوعي الشعبي، والدور المتنامي للمجتمع المدني، إلى جانب التراجع النسبي لنفوذ الأجهزة الأمنية مقارنة بمراحل سابقة. إلا أن هذه المؤشرات الإيجابية تصطدم بمظاهر ضعف حقيقية، تشمل غياب عقد اجتماعي جامع، وتفرد بعض القوى بالسلطة، وتشتت الجغرافيا السورية، وتفاقم الأزمات الاقتصادية، وافتقار الدولة لمؤسسات متماسكة قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية بفعالية.
ويؤكد عبد المجيد أن الانتقال السياسي في سوريا ما يزال ممكناً، لكنه يبقى مشروطاً بخطوات جوهرية تبدأ بإرساء العدالة الانتقالية وتعزيز السلم الأهلي ونبذ خطاب الكراهية، مروراً بتوحيد القرار الوطني ضمن رؤية مشتركة، وإعادة بناء البنية التحتية والخدمات الأساسية، وضبط المشهد الأمني ونزع السلاح غير الشرعي، وصولاً إلى إطلاق حوار وطني شامل يحدد ملامح سوريا الجديدة ويضع أسس نظام سياسي يقوم على المشاركة وفصل السلطات وصياغة عقد اجتماعي يمثل جميع السوريين.
وبينما يستعيد السوريون ذكرى عام على سقوط النظام، تبدو البلاد وكأنها تقف عند مفترق طرق حاسم: إما المضي في إعادة بناء الدولة على أسس قانونية وديمقراطية ومؤسساتية تُنهي إرث الاستبداد، أو الوقوع في فخ تكرار التجارب التي قادت إلى الانهيار الأول. ورغم غياب الإجابات الحاسمة حتى الآن، فإن الإرادة الشعبية، وانخراط المجتمع المدني، وتصاعد النقاش حول اللامركزية، تشكّل جميعها محركات قد تفتح الطريق نحو سوريا جديدة قادرة على استعادة استقرارها ووحدتها ودورها.
لينا العلي – حلب









