لا يمكن فصل تعقيدات المشهد الأمني في الشمال السوري عن طريقة إدارة دمشق لهذا الملف، ولا سيما في ظل غياب إرادة واضحة لتطبيق اتفاق العاشر من آذار مع قوات سوريا الديمقراطية، والذهاب بدلاً من ذلك نحو مقاربات عسكرية ذات طابع إقليمي، تُدار ضمن إطار تركي. هذه السياسات لم تكتفِ بتعميق الانسداد السياسي، بل أسهمت بشكل مباشر في إنتاج واقع أمني هش، تجاوز حدود الخلافات حول بنود أو تفاهمات جزئية، ليصل إلى تكريس نمط من الاستئثار بالقرار السياسي ورفض الشراكة الوطنية، مقروناً بالضغط العسكري كأداة لإدارة الخلاف.
ضمن هذا السياق، برز ملف هروب عناصر تنظيم داعش المحتجزين في سجون قوات سوريا الديمقراطية بوصفه أخطر تجليات هذا الواقع. ورغم الحساسية البالغة لهذا الملف، أظهرت الوقائع أن دمشق لم تتعامل معه بمستوى المسؤولية الوطنية المطلوبة، لا سيما في ما يتعلق بتحييد السجون عن العمليات العسكرية. بل إن مجريات الأحداث أوحت، لدى كثير من المراقبين، وكأن الظروف قد هُيئت عمداً لفتح الطريق أمام هروب جماعي لعناصر التنظيم، ما أعاد إحياء تهديد أمني لطالما دفع السوريون ثمناً باهظاً لمواجهته.
اقرأ/ي أيضاً: سوريا وأفق السلام: كسر دوّامة العنف واستعادة المسار الوطني
إن تداعيات هذا التطور تتجاوز حدود الشمال السوري، لتلقي بظلالها الثقيلة على مجمل الواقع الأمني في البلاد. فالعناصر الهاربة تفرقت في البادية السورية، فيما تمكن بعضها من التسلل إلى مدن وقرى مأهولة، الأمر الذي يفرض تحديات وطنية عاجلة تتطلب مقاربات شاملة، قادرة على احتواء الخطر ومنع إعادة إنتاج التنظيم كقوة فاعلة تهدد أمن السوريين جميعاً.
في هذا الإطار، يرى الدكتور أحمد النجار، الباحث السياسي المتخصص في الشؤون السورية والإرهاب الجهادي، أن التطورات الدراماتيكية التي شهدها الشمال الشرقي خلال الفترة الأخيرة جاءت نتيجة تصعيد عسكري ممنهج، أسهمت الفوضى الناجمة عنه في تمكين مئات من سجناء تنظيم داعش من الفرار من السجون الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية. ويؤكد أن هذا التطور يعيد شبح التنظيم إلى واجهة المشهد الأمني السوري، بوصفه تهديداً وجودياً يتجاوز الأطر المحلية، ويمتد ليطال الإقليم بأسره.
ويشير النجار إلى أن هذا الهروب ما كان ليحدث لو توفّر حد أدنى من التنسيق الأمني بين دمشق وقسد، غير أن السلطة في دمشق ذهبت بعيداً في التصعيد العسكري، ولا سيما في محيط السجون. ويضيف أن ما جرى لا يمكن اختزاله في إطار خلل أمني عابر، بل إن ثمة مؤشرات على وجود نوايا واضحة لإطلاق سراح عناصر التنظيم من السجون والمخيمات، تمهيداً لاستثمارهم لاحقاً ضمن حسابات سياسية وأمنية. ومع ذلك، يؤكد أن تحييد السجون كان يجب أن يكون أولوية وطنية، بصرف النظر عن طبيعة الخلافات السياسية، لكون هذا الملف يمس الأمن القومي السوري برمته.
من زاوية أمنية بحتة، يوضح النجار أن هروب السجناء يشكل نقطة تحول خطيرة، إذ يمنح تنظيم داعش فرصة حقيقية لإعادة بناء قدراته القتالية واللوجستية، مستفيداً من مناطق الفراغ الاستراتيجي. ويذكّر بأن التنظيم سبق أن استثمر ظروفاً مشابهة عقب هزيمته في عام 2019، ليعيد تجنيد عناصره وينفذ عمليات نوعية استهدفت المدنيين والقوات المختلفة. واليوم، يُرجح أن يشهد الشمال الشرقي تصعيداً في هجمات الكر والفر، لا سيما في دير الزور والرقة، حيث لا تزال للتنظيم شبكات دعم اجتماعية وقبلية كامنة. ويؤدي ذلك، وفق النجار، إلى انتشار خلايا نائمة قد تتحول تدريجياً إلى كتائب ميدانية، بما يضعف السيطرة الأمنية ويفتح جبهات استنزاف جديدة، في إطار حرب عصابات طويلة الأمد، تعتمد الخوف كسلاح لإعادة فرض الهيمنة، وتدفع بالمنطقة نحو فوضى أمنية مفتوحة.
ويختم النجار بالقول إن موجة الهروب الحالية ستدفع التنظيم إلى إعادة هيكلة نفسه تنظيمياً، عبر الابتعاد عن المركزية والاعتماد على الخلايا الصغيرة والذئاب المنفردة، وهي استراتيجية تبناها منذ عام 2019. ووفق هذا النموذج، تتحول مناطق الوسط والشرق السوري إلى بؤر اشتعال متناثرة، تمتد آثارها إلى المناطق الحدودية مع العراق والأردن، التي قد تُستخدم كممرات للتسلل. ويؤكد أن مواجهة هذا المشهد تستدعي من دمشق تبني مقاربة أمنية عاجلة تقوم على العمليات الاستخباراتية المشتركة مع الدول المجاورة، بالتوازي مع حملات اجتماعية لتجفيف منابع التجنيد، والتفاهم الجاد مع قوات سوريا الديمقراطية التي راكمت خبرة ميدانية واسعة في مواجهة التنظيم. ويحذر من أن غياب هذا التنسيق متعدد المستويات سيجعل الجغرافيا السورية عرضة لفوضى أمنية شاملة.
على الصعيد السياسي، يرى وجيه المشرقي، الناشط السياسي من مدينة حمص، أن هروب عناصر داعش ستكون له انعكاسات سياسية خطيرة، لا تقل أهمية عن تداعياته الأمنية. ويؤكد أن هذه التطورات يجب أن تشكل حافزاً لدمشق للانخراط في صفقة وطنية مع قسد، بهدف تفادي دوامة جديدة قد تدفع بسوريا نحو نموذج الدولة الفاشلة، سياسياً وأمنياً.
اقرأ/ي أيضاً: عودة داعش.. مخاطر أمنية تتجاوز جغرافيا الشمال السوري
ويشير المشرقي إلى أن ما يجري في الشمال السوري يزيد من تعقيد المشهد السياسي، ويقوض فرص التقدم نحو حوار وطني شامل، كما أن عودة داعش تضعف منسوب الشرعية الدولية لأي مسار انتقال سياسي، في ظل ارتباط الدعم الخارجي بتحقيق حد أدنى من الاستقرار الأمني. وبذلك يتحول التنظيم الإرهابي إلى عامل مضاعف للانقسامات الطائفية والعرقية، وينقل الصراع من كونه سياسياً إلى صراع وجودي.
ويخلص المشرقي إلى أن مواجهة هذه التداعيات تتطلب استراتيجية وطنية متكاملة، تجمع بين الجهد المحلي والتعاون الدولي، مع التركيز على إعادة اعتقال الفارين وتفكيك الشبكات الداعمة لهم. ويرى أن الخطر القائم يمكن أن يتحول إلى فرصة لتعزيز الوحدة الوطنية، عبر حوار شامل يفضي إلى آليات أمنية مشتركة، بعيداً عن التبعيات الخارجية، محذراً من أن الفشل في ذلك سيعيد سوريا إلى دائرة العنف المفتوح.
خلاصة القول إن التطورات الأمنية في الشمال الشرقي، ولا سيما ملف هروب عناصر تنظيم داعش، تحمل انعكاسات عميقة على مجمل المشهد السوري. وهو ما يفرض تبني استراتيجية وطنية تبدأ بتعزيز المسار السياسي، وتوسيع دائرة التفاهمات بين مختلف الأطراف، وصولاً إلى بناء شراكة حقيقية تشمل جميع المكونات السورية. فاحتكار القرار السياسي والاستمرار في إدارة البلاد بعقلية الإقصاء لا يخدم إلا التنظيمات الإرهابية، التي لا تتردد في استثمار الفوضى لضرب ما تبقى من استقرار وأمل لدى السوريين.
سحر الحمصي- حمص









