ليست الوحدة الوطنية شعاراً عاطفياً يُرفع في الأزمات، بل إطاراً عملياً يربط بين تطلعات السوريين وآمالهم في مستقبل آمن ومستقر. في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ البلاد، يبدو أن السوريين أحوج ما يكونون إلى خطاب وطني جامع يستند إلى قيم المواطنة والسلم الأهلي، ويضع حداً للخطابات التحريضية التي عمّقت الانقسام وأضعفت النسيج الاجتماعي. من محافظة حماه، تتعالى أصوات المثقفين والناشطين وعموم الأهالي داعية إلى خطاب وطني يتجاوز الانقسامات الطائفية والعرقية والسياسية، إدراكاً منهم أن البلاد تقف أمام منعطف حاسم يفرض إعادة تعريف الهوية السورية بوصفها هوية جامعة لمجتمع حيّ يقوم على الدستور والقيم التي ناضل السوريون من أجلها منذ عام 2011.
في هذا السياق، يُنظر إلى الخطاب الوطني الشامل باعتباره السبيل الأكثر واقعية لإنتاج حلول قادرة على إعادة بناء الثقة وترميم النسيج المجتمعي وفتح أبواب الاستقرار السياسي والاجتماعي. غير أن هذا المسار، كما يؤكد فاعلون في حماه، لا يمكن أن ينجح دون إجراءات شفافة وتشاركية حقيقية تشمل جميع المكونات السورية، وتمنحها دوراً فاعلاً في صياغة المستقبل.
المحامي محمد مغمومة، من مدينة حماه، يؤكد أن الطريق الوحيد لتجاوز التحديات الهائلة التي تواجه سوريا اليوم هو الالتزام بخطاب وطني جامع يعتمد لغة الحوار والتفاهم، ويبتعد عن الإقصاء والاستقطاب. ويقول إن حماه، بما تحمله من تاريخ وتجارب قاسية، ترى في هذا النهج ضرورة وطنية لا خياراً سياسياً، إذ إن إنقاذ البلاد وإعادة بنائها يتطلبان أسساً متينة من الاستقرار السياسي والاجتماعي طال انتظارها.
اقرأ/ي أيضاً: أصوات من الساحل السوري تدعو لإعادة بناء الثقة الوطنية وتعزيز الشراكة العربية – الكردية
ويضيف مغمومة أن سوريا تمرّ بتحديات معقدة ومتشابكة، بدءاً من اقتصاد مدمر بفعل سنوات الحرب والعقوبات، مروراً بانقسامات سياسية عميقة أدت إلى تفكك النسيج الاجتماعي، وصولاً إلى آلاف المهجرين الذين ينتظرون استقرار الأوضاع للعودة إلى مدنهم وقراهم. ويرى أن هذه الأزمات ليست معزولة عن بعضها، بل هي نتاج سنوات من الخطابات المتحيزة التي غذّت الكراهية بدل تعزيز الوحدة. ويؤكد أن تجاوز هذه العقبات لا يكون عبر شعارات فضفاضة، بل من خلال إنتاج إطار فكري وطني يستند إلى مبادئ الدستور السوري وقيم الثورة التي انطلقت من حماه مطالبة بالحرية والكرامة للجميع، محذراً من أن غياب هذا الخطاب سيجعل الاستقرار هدفاً بعيد المنال.
وفي استحضاره لذاكرة المدينة، يستذكر مغمومة أحداث الثمانينيات وما تلاها، مؤكداً أن التجربة المريرة علّمت أبناء حماه أن العنف لا يولد إلا مزيداً من العنف، وأن الكراهية تعمّق الانقسام. ومن هنا، يرفع مثقفو المدينة شعار الحوار والتفاهم بوصفه لغة وطنية جامعة، داعين إلى حوار مفتوح وشامل بين جميع السوريين. ويرى أن المرحلة التالية لتعزيز الخطاب الوطني تكمن في توسيع التعاون السياسي والاجتماعي، بما في ذلك تشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية تضم مختلف الأطراف، مدعومة بآليات رقابة شعبية تضمن عدالة التمثيل والتوزيع، إلى جانب إطلاق برامج وطنية حقيقية تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار السياسي والأمني.
ويختم مغمومة بالقول إن رؤية ناشطي ومثقفي حماه واضحة ومتجذرة، تقوم على رفض الانقسامات والإيمان بأن الثورة كانت مشروع وحدة لا انفصال. ويؤكد أن الخطاب الجامع والحوار والتعاون هي الطريق نحو استقرار ينعكس أمناً وفرص عمل وعودة كريمة للاجئين، مشدداً على استعداد أبناء حماه للمشاركة مع جميع السوريين في بناء هذا المسار وصولاً إلى سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية.
من جهتها، ترى سارة طالب، وهي محامية وناشطة سياسية، أن السوريين في حماه وسائر المحافظات يتحملون مسؤولية تاريخية في هذه المرحلة الحساسة. وتؤكد أن الخطاب الوطني يشكل سفينة النجاة للسوريين، ولا يمكن الانتقال إلى دولة مدنية حديثة دون اعتماده، مع ضرورة تجريم أي خطاب تحريضي يستهدف أي مكون، سواء بشكل مباشر أو عبر إيحاءات مبطنة. وتعتبر أن التجارب السابقة، ولا سيما في ظل النظام السابق، أثبتت أن الخطابات الإقصائية لا تؤدي إلا إلى تعميق الأزمات، ما يفرض اليوم الاستفادة من هذا الدرس والذهاب فوراً نحو خطاب جامع وحوار وطني شامل.
وتوضح طالب أن مثقفي وناشطي حماه يرون ضرورة بناء الخطاب الوطني على أسس دستورية وديمقراطية حقيقية تكفل حقوق المواطنين جميعاً دون تمييز، وتعزز الهوية السورية المشتركة بوصفها رمزاً للوحدة. وترى أن اعتماد لغة الحوار يعني عملياً رفض خطاب الكراهية والطائفية، وفتح المجال أمام الندوات والمؤتمرات الوطنية لمناقشة القضايا المصيرية، كما درجت عليه المدينة في محطات تاريخية سابقة.
اقرأ/ي أيضاً: كوباني تحت الحصار والنار… مدينة هزمت داعش وتصارع اليوم من أجل البقاء
وفي ختام حديثها، تشدد طالب على أن الخطاب الوطني ولغة الحوار يجب أن يكونا محور أي مبادرة سياسية، مع الدعوة إلى توسيع دائرة الحوار عبر جلسات دورية تضم ممثلين عن مختلف المكونات، والتركيز على ملفات إعادة الإعمار والعدالة الانتقالية والإصلاح الدستوري. وتؤكد أن الخطاب الوطني ليس مجرد موقف سياسي، بل بناء ثقافي يقوم على الاعتراف المتبادل ورفض التمييز، معتبرة أن الاستقرار الحقيقي يبدأ من هنا.
في المحصلة، يجدد أهالي محافظة حماه التأكيد على أن الخطاب الوطني الجامع ضرورة وطنية تحمي النسيج الاجتماعي وتفتح آفاق العدالة الانتقالية وإعادة الإعمار. فالحوار الذي تدعو إليه مكونات المحافظة يعلو فوق النزاعات، ويجسد مبادئ الديمقراطية الدستورية التي تكفل الحقوق للجميع دون استثناء، باعتباره المدخل الواقعي نحو سوريت آمنة، تعددية، ولا مركزية، تستعيد فيها الدولة معناها الجامع وتعود الكرامة لكل السوريين.
ضياء العاصي-حماه









