تقف سوريا اليوم، على وقع التحولات العسكرية والسياسية المتسارعة، عند مفترق طرق حاسم لم يعد يقتصر على شكل الحكم أو خرائط النفوذ، بل بات يمس جوهر العقد الاجتماعي الذي يفترض أن يجمع السوريين تحت مظلة هوية وطنية جامعة. وفي خضم هذا المشهد المأزوم، يبرز صوت أهالي الساحل السوري لا بوصفهم كتلة صامتة أو نمطية، بل كحاضنة لحراك فكري ومدني يسعى إلى تفكيك عقدة الخوف، وترميم الذاكرة الجمعية، وفتح نقاش جاد حول أسس الشراكة الوطنية، ولا سيما العلاقة العربية – الكردية التي طالما تأرجحت بين التهميش والاستثمار السياسي.
في هذا السياق، تطرح نخب ثقافية وحقوقية من الساحل رؤى استشرافية تحاول تجاوز السرديات التقليدية للسلطة والمعارضة، والبحث عن المشترك الوطني بوصفه المدخل الوحيد لإنقاذ ما تبقى من الدولة والمجتمع. فاستعادة الثقة بين مكونات الشعب السوري لم تعد ترفاً سياسياً أو شعاراً إنشائياً، بل تحولت إلى ضرورة وطنية ملحة، تفرض إعادة تعريف مفاهيم المواطنة والتشاركية، بعيداً عن منطق الإقصاء والمحاصصة.
يرى سامر شاهين، ناشط سياسي من اللاذقية، أن الحديث عن إعادة بناء الثقة يجب أن يُقرأ كحجر أساس لأي مشروع دولة قابل للحياة، لا كمجرد عنوان للمصالحة. ويقول إن سوريا لا تعاني فقط من دمار البنية التحتية، بل من تهشم عميق في البنية العقدية للمجتمع، حيث تحولت الهويات الفرعية من روافد للثقافة الوطنية إلى متاريس للخوف والانكفاء. ويضيف أن الساحل السوري، بما يحمله من تنوع وتاريخ، لا يمكن أن يكون جزيرة معزولة عن محيطه، بل هو جزء عضوي من الجسد السوري، يتأثر بسلامته ويؤثر فيها، مؤكداً أن النخب في الساحل باتت تدرك أن الأمان الحقيقي لا تصنعه الجغرافيا الوعرة ولا التحصينات العسكرية، بل الشراكة السياسية الفعلية مع عمق البلاد شرقاً وجنوباً وشمالاً.
ويشدد شاهين على أن الشراكة العربية – الكردية، في إطار وطني جامع، تعني تفكيك عقدة تاريخية جرى استثمارها طويلاً لتغذية الشقاق. فالهواجس التي يحملها المكون الكردي تجاه سياسات الإنكار الثقافي والسياسي تتقاطع، بدرجات متفاوتة، مع مخاوف مكونات أخرى عانت الإقصاء أو التهميش. ومن هنا، فإن بناء جسور الثقة يتطلب تجاوز سرديات التخوين المتبادل، والانطلاق نحو مساحة المصالح المشتركة، حيث يواجه العربي في اللاذقية أو دمشق، والكردي في القامشلي، تحديات اقتصادية وبيئية وإدارية متشابهة. ويؤكد أن الحل لا يكمن في تقاسم الحصص على نمط التجربة اللبنانية، بل في صيغة لامركزية إدارية موسعة تضمن الخصوصيات الثقافية وحق إدارة الشؤون المحلية، ضمن دولة سوريا واحدة، بوصفها الضامن الوحيد لمنع تفكك البلاد إلى كانتونات متناحرة.
اقرأ/ي أيضاً: كوباني تحت الحصار والنار… مدينة هزمت داعش وتصارع اليوم من أجل البقاء
ويضيف شاهين أن المسار السياسي الذي تطمح إليه نخب الساحل يقوم على مفهوم التشاركية السياسية بدلاً من ثنائية الأكثرية والأقلية التي أثبتت فشلها في المجتمعات المركبة. فالتشاركية، كما يراها، تعني أن يكون لكل مكون ومحافظة دور فعلي في صياغة القرار الوطني، وأن تتحرر الدولة من عباءة المركزية الشديدة التي خنقت الأطراف وهمشتها تنموياً لعقود. ويشير إلى أن الساحل، كما الجزيرة السورية، عانى تهميشاً تنموياً رغم ما يمتلكه من موارد وكفاءات، ما يعزز الحاجة إلى دولة قانون ومؤسسات ترى في التعددية السورية ميزة استراتيجية لا عبئاً أمنياً، وتدفع نحو عقد اجتماعي جديد يصوغه السوريون أنفسهم بعيداً عن إملاءات الخارج.
من جهتها، ترى الدكتورة لمى خضور، الناشطة الحقوقية والباحثة في علم الاجتماع السياسي من طرطوس، أن المرحلة الراهنة تفرض قراءة المشهد الوطني بعين نقدية لا تحجبها الغشاوة الأيديولوجية ولا تقيدها السرديات الإقصائية. وتؤكد أن إعادة بناء الثقة بين مكونات الشعب السوري ليست شعاراً يكرر في المؤتمرات، بل ضرورة وجودية لاستمرار الدولة والمجتمع، مشيرة إلى أن الانكفاء على الهويات الصغرى لم ينتج سوى مزيد من التصدع في الجدار الوطني.
وتوضح خضور أن العمق الاستراتيجي للساحل لا ينفصل عن العمق الحيوي للجزيرة السورية، فهما رئتان لجسد واحد أنهكه نقص الأكسجين السياسي. ومن هذا المنطلق، تنظر إلى الشراكة العربية – الكردية بوصفها حجر زاوية في العقد الاجتماعي الجديد، لا تحالف مصالح مؤقتاً تفرضه توازنات عابرة. وترى أن الاعتراف بالخصوصية الثقافية والحقوق السياسية للمكون الكردي لا يشكل تهديداً لهوية سوريا العربية، بل إغناءً لهويتها الوطنية الجامعة، شرط أن يقترن بمسار سياسي واضح قائم على التشاركية الفعلية، لا المحاصصة الطائفية أو العرقية.
اقرأ/ي أيضاً: تطورات الشمال السوري في بعدها الأمني: داعش والتحديات المتجددة
وتختم خضور بالتأكيد على أن المركزية المفرطة قتلت الإبداع في الأطراف، وأن الحل يكمن في لامركزية إدارية وتنمية متوازنة تسمح لكل منطقة بالنمو ضمن وحدة البلاد. وتضيف أن جسور الثقة التي دُمرت خلال سنوات الصراع أصعب في إعادة بنائها من إعادة إعمار الحجر، ما يضع على عاتق المثقفين والحقوقيين مسؤولية تفكيك خطاب الكراهية، وصياغة هوية وطنية تجعل المواطنة معيار الحقوق والواجبات.
خلاصة القول، إن الرؤى الصادرة من الساحل السوري تتقاطع عند مطلب دولة المواطنة والتشاركية، وتؤمن بأن طريق سوريا الآمنة والمستقرة يمرّ عبر شراكة وطنية حقيقية تشمل القامشلي والسويداء وحلب وحمص وسائر الجغرافيا السورية، وأن أي حلّ سياسي يتجاهل تطلعات المكونات، وفي مقدمتها المكون الكردي كشريك أصيل، سيظل حلاً ناقصاً ومؤقتاً، فيما المطلوب هندسة سياسية دقيقة تعيد تعريف الهوية الوطنية السورية بوصفها هوية جامعة ومرنة تتسع للجميع دون إقصاء.
معن الجبلاوي- اللاذقية









