في محافظة حمص، يتردد اليوم صوت الشارع بوعي ناضج يتجاوز الجدل اليومي العابر نحو مقاربة أكثر عمقاً واستراتيجية. فالمشهد السوري الراهن، بكل تعقيداته السياسية والأمنية، يفرض ضرورة ترسيخ دور القوى المدنية والسياسية بوصفها ضمانة حقيقية لوحدة البلاد واستقرارها. هذا الإدراك لم يعد حكراً على النخب، بل بات ملموساً في نقاشات مثقفي حمص والمواطنين في أحيائها وساحاتها، حيث يُنظر إلى هذه القوى باعتبارها محركاً أساسياً لخطاب وطني يعيد بناء الثقة ويحمي الاستقرار السياسي، ليس في حمص فحسب، بل في سوريا عموماً.
إن ترسيخ دور القوى المدنية والسياسية يعني، في جوهره، إسناد المجتمع المدني موقعاً محورياً في إدارة الشأن العام. المحامي وجد سلامة من مدينة حمص يؤكد أن الواقع السوري الحالي يحمّل هذه القوى مسؤولية تاريخية غير مسبوقة، موضحاً أن الأمر لا يتعلق بدور محدود أو ظرفي، بل برؤية وطنية شاملة تتجاوز الانقسامات الضيقة، وتفتح المجال أمام استقرار سياسي يستند إلى شرعية قاعدته الشعبية، وإلى وعي الشارع في حمص وبقية المحافظات. فالوحدة الوطنية، وفق هذا التصور، ليست شعاراً عاطفياً، بل بنية تنظيمية واجتماعية تضمنها مشاركة الناس في صنع القرار، وبناء قاعدة توافق وطني تتجاوز منطق المصالح اللحظية.
ويشير سلامة إلى أن تمكين القوى المدنية والسياسية يعني منح المجتمع المدني دوراً فعلياً في حفظ السلم الأهلي والتخطيط للإصلاح المؤسسي، مؤكداً أن تعزيز المؤسسات المدنية، من نقابات مهنية وجمعيات حقوقية ولجان مجتمع محلية، يفضي إلى نشوء شبكة وطنية قادرة على الصمود والاستمرار حتى في أوقات الضغوط والأزمات. هذه الشبكة، بحسب سلامة، هي التي تمنح سوريا قدرة حقيقية على التفاوض والتوصل إلى حلول وسط تلبي مصالح شريحة واسعة من السوريين.
اقرأ/ي أيضاً: حماه تؤكد: الخطاب الوطني الجامع مدخل العبور نحو سوريا الجديدة
ويضيف سلامة قائلاً: «من زاوية قانونية ومهنية، يمكن النظر إلى المجتمع المدني كعنصر ضبط يوازن بين السلطات ويحد من مخاطر الاحتقان السياسي والتمييز المؤدلج». ويرى أن دور المحامين والناشطين المدنيين والسياسيين والمدافعين عن الحقوق لا يقتصر على حماية الحقوق الفردية، بل يتعداه إلى توفير إطار منظم وسلمي يتيح للأطراف المختلفة التعبير عن مخاوفها، ويحول دون تمرير صفقات تفتقر إلى الشفافية أو تشريعات ترهق المجتمع وتولد الاستياء. وفي سياق حمص تحديداً، يؤكد سلامة أن الواقع المحلي يزخر بنماذج حية من الوعي الجمعي والقدرة التنظيمية، ما يبرز أهمية وجود صوت مدني موحد يعكس ثقل المدينة وتنوعها، وهو نموذج قابل للتعميم على باقي المحافظات السورية.
ويختم سلامة بالتأكيد على أن المثقفين والكوادر الشابة والتيارات المدنية والسياسية في حمص يدركون أن رصيدهم الحقيقي لا يكمن في التصعيد الإعلامي أو التراشق السياسي، بل في بناء فضاءات حوار مؤسسي تهدف إلى صياغة رؤية سوريا جامعة، تلم شتات الانتماءات وتكرّس الاستقرار السياسي بوصفه هدفاً وطنياً جامعاً.
في السياق ذاته، يرى وفيق استانبولي، وهو ناشط سياسي من مدينة حمص، أن مسار الاستقرار لا يمكن أن يتحقق عبر فرض الرؤى أو سياسات الأمر الواقع، ولا سيما في ظل ما تمر به سوريا من تحولات دقيقة تتطلب تشاركية سياسية واجتماعية وثقافية واسعة. ويؤكد أن هذا المسار يستدعي بناء جسور متينة بين القوى المدنية والسياسية من جهة، والمتطلبات اليومية للمواطن العادي من جهة أخرى، بما يفضي إلى مؤسسات تشريعية وتنفيذية تتسم بالشفافية وتخضع للمساءلة، إلى جانب مؤسسات مجتمعية تعكس نبض الناس وتترجم مطالبهم إلى سياسات قابلة للتطبيق. وكلما تعززت هذه المنظومة، تراجعت فرص استثمار الخلافات من قبل قوى متزاحمة لا تخدم ممارساتها المصلحة الوطنية العامة.
ويضيف استانبولي أن الخطاب الوطني المطلوب اليوم يجب أن يؤسس لسردية واضحة مفادها أن الاستقرار ليس نتاج تنازلات مؤقتة أو اتفاقات عابرة، بل نتيجة عملية تراكمية لبناء الثقة بين أبناء الوطن. فهذه الثقة، كما يوضح، تنبع من قدرة المجتمع المدني على تنظيم نفسه بشفافية، وتقديم حلول عملية لمشكلات تمس حياة الناس اليومية، كملفات الخدمات والتعليم والصحة والأمن الاجتماعي. وعندما يُنظر إلى هذه الجهود باعتبارها جزءاً من مشروع وطني جامع، تتراجع أوهام الانقسام، وتبرز الحاجة إلى حوار مسؤول يحفظ التعددية الوطنية ضمن إطار جامع ومنظم.
ويرى استانبولي أن دور حمص كنموذج قابل للتعميم يكتسب أهمية خاصة، كونها تجمع بين خبرة طويلة في العمل الأهلي، وقدرة ملموسة على التكيف مع التحولات السياسية والاقتصادية. وإذا ما جرى تفعيل دور القوى المدنية والسياسية في المحافظة وتوسيع طيفها ليشمل شرائح أوسع من المجتمع، فإن ذلك سيسهم في تقويم مستمر لإطار الحكم المحلي، وفي توحيد فعّال للجهود الوطنية. وهو مسار يعزز الاستقرار في سوريا عموماً عبر إشراك المجتمع في القرارات الوطنية، لا عبر فرض إرادات خارجية أو مقاربات أحادية.
اقرأ/ي أيضاً: أصوات من الساحل السوري تدعو لإعادة بناء الثقة الوطنية وتعزيز الشراكة العربية – الكردية
ويختم استانبولي بالقول إن التزام القوى المدنية والسياسية بوحدة سوريا واستقرارها يستلزم قبول الاختلاف بوصفه جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني، والانخراط في حوار دائم مع مختلف القوى الوطنية، بما في ذلك الحوارات مع الحكومة المؤقتة أو ممثليها، إلى جانب تعزيز دور الشباب والنساء والمهنيين كقوى محركة للتغيير الإيجابي. وعند تطبيق هذه المبادئ، تصبح الوحدة الوطنية نتاجاً سياسياً واعياً، لا نتيجة إملاءات مفروضة.
في الخلاصة، يعكس صوت أهالي حمص، بمثقفيهم وناشطيهم، وعياً متقدماً يؤكد أن القوى المدنية والسياسية تمثل الضمانة الحقيقية للوحدة الوطنية والاستقرار في سوريا. وتظهر الآراء المطروحة أن ترسيخ دور المجتمع المدني وتعزيز التشاركية السياسية يعنيان بناء شبكة مرنة تحمي السلم الأهلي، وتوازن السلطات، وتترجم مطالب الشعب إلى سياسات شفافة خاضعة للمساءلة. وهو دور لا يقتصر على حمص، بل يمتد كخيار استراتيجي لمستقبل سوريا، حيث تفرض المرحلة الراهنة تبني خطاب وطني جامع وحوار مسؤول، يمهّد الطريق نحو سوريا ديمقراطية تعددية ولا مركزية.
سحر الحمصي-حمص









