مع بداية عام 2026، بدت المخيمات في شمال سوريا وكأنها تعيش اختباراً جديداً لقسوتها المزمنة. في إدلب، ضربت العواصف الثلجية والأمطار الغزيرة مئات المخيمات، محولة الخيام إلى مأوى هش أمام الطبيعة. وفي الحسكة، لم يكن الوضع أفضل حالاً، حيث تضررت مخيمات المهجرين بفعل الأمطار والسيول، في وقت يعيش فيه مهجرو رأس العين (سري كانيه) منذ أكتوبر 2019 داخل مخيمات “واشو كاني” و“الطلائع”، دون أفق واضح للعودة. وبين هذين المشهدين، تتكشف صورة متوازية لمعاناة واحدة، تختلف في تفاصيلها، لكنها تتطابق في نتيجتها: نزوح مستمر بلا نهاية واضحة.
مخيمات تتحول إلى واقع دائم
لم تعد المخيمات في سوريا تعبيراً عن حالة طارئة، بل تحولت إلى بيئة مستقرة قسراً. في إدلب، ما تزال مئات المخيمات تؤوي مئات آلاف النازحين، رغم بعض موجات العودة المحدودة. أما في الحسكة، فإن مهجري سري كانيه يعيشون منذ أكثر من ست سنوات في مخيمات النزوح، بعد أن حالت المخاطر الأمنية ودمار مناطقهم دون عودتهم.
هذا الامتداد الزمني للنزوح يكشف أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بالحرب، بل بغياب الحلول السياسية والأمنية القادرة على إعادة الناس إلى بيوتهم. ومع مرور الوقت، أصبحت المخيمات جزءاً من الجغرافيا الاجتماعية، لا مجرد استجابة مؤقتة.
في سوريا لم يعد النزوح حدثاً عابراً، بل حالة مزمنة تعيد تشكيل حياة مئات آلاف السوريين. استمرار العيش في المخيمات، في ظل تراجع الدعم الإنساني وتدهور الظروف المعيشية، لا يعني فقط استمرار المعاناة، بل يهدد بترسيخ الفقر والتهميش كواقع دائم. هذه الوقائع لا تؤثر على الأفراد فقط، بل تمتد لتقويض الاستقرار الاجتماعي، وتضعف أي مسار مستقبلي لإعادة البناء أو تحقيق تسوية سياسية مستدامة.
شتاء قاسٍ يضرب المخيمات
في إدلب، كشفت الأشهر الأولى من عام 2026 هشاشة البنية التي يعيش فيها النازحون. العواصف الثلجية التي ضربت المنطقة مطلع يناير أثرت على عشرات آلاف الأشخاص، وأدت إلى تضرر مئات الخيام، فيما سُجلت وفيات بين الأطفال نتيجة البرد القارس. لم تمضِ أسابيع حتى جاءت الأمطار الغزيرة في فبراير، لتغرق مخيمات كاملة، وتدمر مئات المساكن المؤقتة، وتدفع مئات العائلات إلى فقدان ما تبقى من ممتلكاتها.
في أحد المخيمات قرب خربة الجوز، يصف النازح “أبو محمود” ما جرى قائلاً:
“استيقظنا على صوت المياه تدخل الخيمة، حاولنا إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن كل شيء غرق خلال دقائق، حتى الطعام والفرش”.
اقرأ/ي أيضاً: برلمان الشعب لا المصالح… تطلعات الساحل السوري لمجلس شعب يؤسس لمرحلة جديدة
وفي مخيم آخر بريف إدلب الشمالي، تقول “أم يزن”:
“الشتاء هنا ليس مجرد برد، هو خوف دائم… نخاف من المطر كما نخاف من الثلج، لأن كل واحد منهما قد يدمر خيمتنا”.
أما “أبو أحمد”، وهو نازح يعيش في مخيم قرب سلقين، فيشير إلى أن المشكلة تتجاوز الطقس قائلاً:
“كل شتاء نعيش نفس المأساة، يتم إصلاح الخيام بشكل مؤقت، لكن لا يوجد حل حقيقي… نحن نعود لنقطة الصفر كل مرة”.
في الحسكة، ورغم اختلاف طبيعة الأرض، إلا أن الأمطار والسيول تركت أثراً واضحاً على المخيمات، حيث تضررت الخيام والبنية البسيطة، ما فاقم معاناة المهجرين. لكن التحدي الأكبر هنا يبقى في طول أمد النزوح وغياب الأفق.
يقول المهجر عامر محمد من قرية العامرية بريف سري كانيه:
“وضعنا هنا مأساوي للغاية، فمنذ أكثر من عام، تراجع وجود المنظمات والدعم الإغاثي للمهجرين بشكل كبير، والجميع يعلم ما حل بنا خلال فصل الشتاء نتيجة الأمطار الغزيرة والظروف الجوية القاسية”.
ويضيف:
“عاد بعض المهجرين خلال الفترة الماضية لاستكشاف قراهم ومنازلهم، ولكن تبين أن القرى والمنازل جميعها مدمرة، ولم تعد صالحة للعيش، إلى جانب فقدان معظم مقومات الحياة الأساسية فيها”.
ويتابع محذرا:
“لن أعود إذا لم تكن عودتي مضمونة، وإذا لم تكن العودة آمنة، فالوضع الفصائلي لا يزال مستمرا في المنطقة، وما زالت غير آمنة على الإطلاق، فهناك من تم اعتقاله خلال زيارته الأخيرة لقريته”.
ويختم بالقول:
“نطالب بضرورة تقديم يد العون لنا وتأمين عودة آمنة وكريمة، دون أن نتعرض لأي ابتزاز أو استغلال من أي طرف”.
ومن جهتها، تقول المهجرة حورية دحام سليمان من قرية غرناطة:
“نتمنى العودة إلى منازلنا، ولكن قرانا غير آمنة، ومنازلنا وقرانا مدمرة بالكامل، حتى النوافذ سُرقت، وسط فقدان كامل لمقومات الحياة في تلك القرى”.
وتضيف:
“العيش داخل المخيم يشكل معاناة حقيقية لنا، ويأسنا من البقاء هنا شديد، ولم نعد نرغب في الاستمرار في المخيمات، بل نريد العودة إلى قرانا”.
وتتساءل في ختام حديثها:
“أين سنبقى في تلك القرى المدمرة؟ وما نريده حقاً هو الحصول على المساعدة… نريد الخلاص من هذه الظروف القاسية”.
أما فواز أحمد من قرية الفيصلية، فيقول:
“وضعنا مأساوي، لم يتبقَ شيء ضمن المخيم، حتى المساعدات تم تقليصها وقطعها عنا بشكل كامل”.
ويشير إلى جانب سياسي مهم قائلاً:
“ضمن بنود الاتفاق الأخير هناك بند ينص على عودة المهجرين بأمان إلى منازلهم، ولكن حتى اليوم لا يوجد أي ضمان للأمان في تلك المنطقة، ولا فتح للطرق المؤدية إليها”.
اقرأ/ي أيضاً: المرأة السورية والإصلاح الهيكلي: أصوات تطالب بأدوات تنفيذية لا وعوداً دستورية
ويؤكد:
“قرانا مدمرة، وحتى المنازل التي لم تُدمَّر تعرضت للتخريب… ما نريده هو العودة الآمنة والكريمة إلى أرضنا ومنازلنا”.
مأزق مركب بين الطبيعة والسياسة
تعكس هذه الشهادات أن معاناة المخيمات في سوريا لا يمكن اختزالها بعامل واحد. في إدلب، تكشف الكوارث الطبيعية هشاشة بنيوية عميقة، حيث تتحول كل موجة طقس إلى تهديد مباشر للحياة. أما في الحسكة، فإن العامل الحاسم هو غياب الأمان واستمرار الدمار، ما يجعل العودة خياراً غير ممكن، رغم الرغبة الشديدة لدى المهجرين.
القاسم المشترك بين الحالتين هو تراجع الدعم الإنساني، الذي لم يعد قادراً على مواكبة حجم الاحتياجات، ما يفاقم الإحساس بالعزلة والتهميش. وبينما تتكرر الأزمات الموسمية في إدلب، يستمر الزمن نفسه كعامل ضغط في الحسكة، حيث يتحول الانتظار إلى عبء نفسي واجتماعي متراكم.
الاستجابة وحدود العمل الإنساني
رغم تدخلات منظمات إنسانية وهيئات محلية لتقديم المساعدة، سواء عبر توزيع مواد التدفئة أو إيواء المتضررين، فإن هذه الجهود تبقى محدودة أمام حجم الأزمة وتعقيداتها. كما أن خطط إعادة المهجرين تصطدم بواقع أمني وخدمي هش، يجعل تنفيذها بطيئاً وغير كافٍ.
بين إدلب والحسكة، تتكرر القصة بصيغ مختلفة، لكنها تقود إلى نتيجة واحدة: المخيم لم يعد محطة مؤقتة، بل أصبح فضاءً دائماً للحياة القسرية. وبين خيمة مهددة بالانهيار وقرية مدمرة أو غير آمنة، يبقى المهجر السوري عالقاً بين خيارين كلاهما صعب.
هذه الحالة لا تعكس فقط أزمة إنسانية، بل تكشف عن اختبار مستمر لقدرة الفاعلين المحليين والدوليين على الانتقال من إدارة المعاناة إلى معالجتها. وحتى يتحقق ذلك، ستبقى المخيمات قائمة، لا كحل، بل كدليل على أزمة لم تجد طريقها إلى النهاية بعد.
إعداد
إدلب- بلال الأحمد
الحسكة- آزاد عمر









