بعد مرور خمسة عشر شهراً على سقوط نظام الأسد، ما تزال سوريا تقف أمام مفترق طرق حاسم بين بناء دولة ديمقراطية متوازنة تعيد صياغة عقد اجتماعي حقيقي، أو إعادة إنتاج نماذج مركزية هشة تعيد إنتاج الاستبداد وتغذي الكراهية الكامنة.
في هذا السياق، يقدّم الأكاديمي والباحث السياسي جمال درويش من السويداء قراءة معمّقة لتعقيدات المرحلة الانتقالية، متناولاً استعصاء الحل السياسي، وهواجس المكونات السورية، ومبرزاً اللامركزية كخيار واقعي لتحقيق الاستقرار.
استعصاء الحل السياسي الشامل
أكد درويش: “نعم، لنعترف أن هناك استعصاء في الحل السياسي الشامل، والسبب هو أن هذه الحكومة الانتقالية لا تحمل رؤية لانتقال ديمقراطي في سوريا. فبعد مرور 15 شهراً على تولي هذه السلطة لم يتم ذكر كلمة واحدة عن الديمقراطية ولو لمرة واحدة”.
وأوضح أن: “الديمقراطية ليست ترفاً سياسياً ولا مشروعاً مستورداً، بل تأكيد ضروري ملح ووجودي لبناء دولة مستقرة”، مشدداً على أن “السوريين اليوم لم يعودوا يقبلوا بإعادة إنتاج المركزية المطلقة كما كان أيام النظام السابق”.
وأشار درويش إلى أن الخلل البنيوي بدأ مبكراً، قائلاً: “بدأت مركزية هذه السلطة من المادة 36 في نص الإعلان الدستوري، عندما حُصرت الصلاحيات في يد السلطة التنفيذية دون أي ضوابط أو توازنات بين السلطات”، معتبراً أن ذلك “جعلها هشة وغير متوازنة”.
وأضاف: “هذا يجعل الحديث عن أي إصلاح سياسي مجرد وهم، فالإصلاح السياسي يقوم على مؤسسات شفافة تخضع رأس السلطة للمساءلة لا العكس، ومشاركة حقيقية لكل المكونات في إدارة المرحلة الانتقالية”، مؤكداً أن ذلك “سيعزز السلم الأهلي ويمنع أي انفجار اجتماعي ويقطع الطريق على الاستبداد”.
هواجس المكونات السورية
وحول هواجس المكونات، قال درويش: “بالتأكيد، هواجس المكونات السورية تعود إلى إطلاق العنان للخطاب الطائفي الشعبوي وعدم تجريمه، وغياب العدالة الانتقالية كمبدأ أساسي من مبادئ المرحلة الانتقالية”.
وأضاف: “تنامي وصعود المخيال الجهادي الرافض للتعددية، وعدم تمثيل المكونات السورية ومشاركتها في العملية السياسية، كلها عوامل تسبب القلق الوجودي لمكونات الشعب السوري”.
وفي توصيف أعمق للحالة المجتمعية، أوضح: “لنعترف مبدئياً أن حجم الكراهية المتبادلة اليوم ليست حدثا ًعابراً، بل حصيلة تراكم طويل من الخوف المكبوت”، مضيفاً أن “هذه الكراهية اليوم تتبادلها الجماعات لا الأفراد فقط”.
وتابع: “إما أن نعيش على الثأر والانتقام أو التفكك إلى كيانات خائفة على مصيرها”، محذراً من أن استمرار هذا الواقع “سيؤدي إلى تآكل الثقة بين مكونات المجتمع السوري”.
اللامركزية كخيار للاستقرار
وفي ما يتعلق باللامركزية، شدّد درويش على أنها “ليست خطراً على وحدة الدولة ولا تؤدي إلى تقسيمها”، معتبراً أن هذه المخاوف “تُسوّقها السلطات المركزية من أجل احتكار السلطة”.
وأوضح: “اللامركزية الإدارية هي عملية نقل جزء من الصلاحيات من المركز إلى الأطراف بهدف تحسين عملية اتخاذ القرار”، فيما تعني اللامركزية السياسية “قدرة المجتمعات المحلية على انتخاب ممثليها والتمتع باستقلالية أوسع في إدارة شؤونها”.
وأكد أن “اللامركزية المعتمدة في معظم دول العالم تُسهم في تخفيف العبء عن المركز، وتعزيز الشفافية، ودعم الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وتحقيق عدالة في توزيع الموارد”، مضيفًا أنها “تعزز المشاركة المجتمعية وتجعل المواطن شريكًا حقيقياً في اتخاذ القرار”.
وفي سياق متصل، قال درويش: “أي سلطة تبحث عن شرعيتها من الخارج هي سلطة تسعى لبناء دولة وظيفية تابعة مسلوبة الإرادة”، محذراً من أن مواجهة هذا الواقع “تتطلب وعياً نقدياً وتحالفات دولية مدروسة لضبط المسار أو تفكيك البنية المتغولة”.
يخلص الطرح إلى أن الأزمة السورية تعكس استعصاءً سياسياً عميقاً ناتجاً عن غياب الرؤية الديمقراطية وهيمنة نموذج مركزي هش، في ظل تصاعد هواجس المكونات وغياب العدالة الانتقالية. ويبرز تبني اللامركزية الإدارية والسياسية، إلى جانب مسار ديمقراطي شامل، كمدخل أساسي لبناء دولة قانون عادلة، تعزز الثقة بين السوريين وتحد من مخاطر التفكك.









