في ظل التحديات العميقة التي تواجهها سوريا اليوم، يبرز ملف حقوق المكونات السورية باعتباره أحد المرتكزات الأساسية لأي مشروع وطني حقيقي وقابل للاستمرار، إذ لا يمكن بناء دولة مستقرة من دون الاعتراف بتنوعها بوصفه مصدر قوة وغنى، لا عامل انقسام أو تهديد. فالمكونات السورية، العربية والكردية والدرزية والعلوية والمسيحية والتركمانية والآشورية وغيرها، ليست كيانات طارئة أو هويات معزولة، بل تمثل امتداداً لتاريخ طويل وثقافة متراكمة ونسيجاً اجتماعياً متداخلاً شكّل الهوية السورية عبر عقود.
وأصبح واضحاً، بعد سنوات الصراع، أن أي مسار سياسي يتجاهل هذا التنوع أو يتعامل مع المكونات بوصفها عناصر هامشية، سيبقى مساراً ناقصاً يفتقد للشرعية المجتمعية، وهي الأساس الذي تقوم عليه أي دولة وطنية. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مسار سياسي يقوم على محددات وطنية واضحة تضمن حقوق جميع المكونات، وتحوّل التنوع السوري من مصدر للتوتر إلى قاعدة للشراكة والتماسك الوطني.
اقرأ/ي أيضاً: السويداء واللامركزية.. إدارة المجتمعات كمدخل لإنقاذ الدولة السورية
وفي هذا السياق، يؤكد الحقوقي والناشط السياسي من محافظة درعا، سليم العوا، أن حقوق المكونات السورية لا يمكن اختزالها في مطالب فئوية أو حقوقية ضيقة، بل تمثل جزءاً أساسياً من عقد اجتماعي جديد يُعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع.
ويقول العوا إن سنوات الحرب وما رافقها من تهميش لمناطق ومكونات واسعة، إضافة إلى تراكم مشاعر الشك والانقسام، أثبتت أن نموذج الدولة المركزية التقليدية لم يعد قادراً على استيعاب التنوع السوري، الأمر الذي ساهم في تفجير التوترات وإضعاف الثقة الوطنية. ويرى أن الحقوق المطلوبة تشمل التمثيل العادل، والحماية الثقافية، والمشاركة الحقيقية في صنع القرار، إلى جانب تحقيق تنمية متوازنة بين المناطق، لأن تجاهل هذه الحقوق يعني إعادة إنتاج أسباب الانقسام وعدم الاستقرار.
ويشير العوا إلى أن حقوق المكونات تتجسد في عدة أبعاد مترابطة تشكل قاعدة لأي بناء وطني متماسك، تبدأ من الحق في التمثيل السياسي والمشاركة الفعلية في المؤسسات التشريعية والتنفيذية، بعيداً عن الصيغ الشكلية أو الرمزية. ويضيف أن غياب التوازن في التمثيل يولد شعوراً بالإقصاء، وهو ما يهدد الاستقرار الوطني على المدى البعيد.
كما يشدد على أهمية الحماية الثقافية والهوياتية، من خلال ضمان حق كل مكون في الحفاظ على لغته وتراثه وخصوصيته الثقافية ضمن الإطار الوطني الجامع، إلى جانب توفير تعليم متعدد اللغات وإعلام يحترم التنوع السوري ويعكسه بصورة عادلة. ويرى أن ذلك يرتبط بشكل مباشر بضرورة تفعيل اللامركزية، عبر منح المناطق ذات الخصوصيات المتنوعة صلاحيات تتيح لها إدارة شؤونها المحلية بكفاءة وعدالة.
ويضيف العوا أن الخطوة الأهم نحو بناء مسار سياسي سليم تكمن في وضع محددات وطنية واضحة وملزمة تنظم العلاقة بين المكونات والدولة، باعتبارها إطاراً يحدد الحقوق والواجبات المشتركة. ويوضح أن هذه المحددات يجب أن تُكرّس ضمن دستور جديد أو ميثاق وطني جامع، يقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، ويضمن في الوقت ذاته الحقوق الجماعية للمكونات السورية، من خلال آليات واضحة للتمثيل النسبي، وتوزيع السلطات، وإدارة النزاعات، بما يمنع احتكار السلطة أو هيمنة أي مكون على حساب الآخرين.
ويختم العوا حديثه بالتأكيد على أن التحديات التي تواجه هذا المسار لا تزال كبيرة، في ظل المخاوف المرتبطة بالتفكك والتدخلات الخارجية والذاكرة المثقلة بالصراع، إلا أن الحل يبقى ممكناً من خلال الإرادة الوطنية والحوار الشامل بين السوريين. ويشير إلى أن تجارب دول متعددة المكونات، مثل سويسرا والهند، أثبتت أن التنوع يمكن أن يتحول إلى عنصر استقرار عندما تُبنى الدولة على قواعد واضحة للتشارك والعدالة، معتبراً أن سوريا تحتاج اليوم إلى عقد اجتماعي جديد يعيد الثقة بين أبنائها ويؤسس لدولة ديمقراطية تعددية لا مركزية.
بدوره، يرى المحامي محمد السالم من مدينة نوى في محافظة درعا أن الحديث عن حقوق المكونات السورية لم يعد مجرد شعار سياسي أو مطلب نظري، بل بات حقاً أصيلاً نابعاً من التاريخ المشترك والتضحيات التي قدمها السوريون بمختلف مكوناتهم.
ويقول السالم إن السوريين، على اختلاف انتماءاتهم، لا يمثلون جماعات منفصلة أو كيانات متنافرة، بل يشكلون نسيجاً وطنياً واحداً، وأي مشروع وطني لا يعترف بهذا التنوع باعتباره مصدر قوة، لا يمكن أن يكون مشروعاً شاملاً أو قابلاً للحياة. ومن هذا المنطلق، يعتبر أن تعزيز التشاركية الوطنية بين المكونات السورية أصبح ضرورة حقيقية لإعادة بناء دولة لا تعيد إنتاج أخطاء الماضي أو تفتح الباب أمام انقسامات جديدة.
اقرأ/ي أيضاً: مخيمات إدلب تغرق.. والاستثمارات تتجه إلى العقارات الفاخرة
ويؤكد السالم أن حقوق المكونات لا تقتصر على التمثيل الإداري أو الحصص السياسية، بل ترتبط بجوهر مفهوم المواطنة، خاصة في بلد شهد تهميشاً واسعاً وانقسامات عميقة خلال السنوات الماضية. ويضيف أن من حق كل مكون أن يكون شريكاً في صياغة مستقبل البلاد، وأن تُصان هويته وثقافته وحقوقه ضمن إطار وطني جامع، لافتاً إلى أن ما شهدته مناطق الجنوب والشرق والشمال من معاناة وتهميش يفرض على السوريين إعادة التفكير في شكل الدولة وآليات إدارتها.
ويرى السالم أن المرحلة الراهنة، بما تحمله من تحديات أمنية وسياسية واقتصادية، تتطلب فهماً جديداً لمعنى المسار الوطني الشامل، موضحاً أن الشمولية لا تتحقق عبر الخطابات أو البيانات، بل من خلال ضمان حقوق ملموسة لجميع المكونات، وتحويل التشاركية الوطنية إلى قاعدة دستورية وممارسة يومية في مؤسسات الدولة والمجتمع.
ويختتم السالم حديثه بالقول إن السوريين، الذين تشاركوا المعاناة والنضال خلال سنوات الأزمة، يدركون اليوم أكثر من أي وقت مضى أن التعاون بين المكونات هو الطريق الوحيد للحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها، بينما سيؤدي إقصاء أي مكون إلى تعميق الانهيار الوطني وإعادة إنتاج الصراعات.
ختاماً، تبدو حقوق المكونات السورية اليوم جزءاً أساسياً من أي مشروع وطني يسعى لبناء دولة عادلة ومستقرة، فيما يشكل تعزيز التشاركية بين السوريين الضمان الحقيقي لأن تكون سوريا وطناً للجميع، لا حكراً على فئة أو منطقة أو مكون بعينه. فالدولة السورية المقبلة لن تكون قوية إلا بشراكة متساوية بين جميع أبنائها، وببناء نظام يضمن العدالة والتوازن والاعتراف بالتنوع باعتباره أساساً للوحدة الوطنية، لا تهديداً لها.
هيثم حوراني- درعا









