وسط سنوات الصراع السوري وما خلّفته من مآسٍ إنسانية عميقة، يبرز مفهوم العدالة الانتقالية بوصفه إحدى الركائز الأساسية لأي مسار وطني يسعى إلى إعادة بناء الدولة والمجتمع. فالعدالة الانتقالية لا تقتصر على كونها إجراءات قانونية أو سياسية مرتبطة بمرحلة ما بعد النزاع، بل تمثل رؤية شاملة لإعادة ترميم العلاقة بين الإنسان والدولة، وبين الذاكرة المثقلة بالألم ومستقبل يسعى السوريون إلى تأسيسه على قيم الكرامة والمواطنة والإنصاف.
وفي السياق السوري، تبدو الحاجة إلى عدالة انتقالية شاملة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، ليس بوصفها أداة للانتقام أو تصفية الحسابات، وإنما باعتبارها مدخلاً لمعالجة آثار العنف والانقسام، وكشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومنع تكرار المأساة. ومن هذا المنطلق، يرى أهالي محافظة حماة أن العدالة الانتقالية تمثل ضرورة إنسانية ووطنية تفتح الباب أمام تحول سياسي واجتماعي يعيد للسوريين ثقتهم بالدولة وبفكرة العيش المشترك.
اقرأ/ي أيضاً: حقوق المكونات السورية.. رؤية من درعا لمسار وطني قائم على الشراكة
ويرى المحامي سامي النجار، من مدينة حماة، أن العدالة الانتقالية تمثل أملاً بإعادة ترميم النسيج الإنساني الذي مزقته الحرب، مؤكداً أنها ليست مجرد إطار قانوني أو سياسي، بل مسار إنساني عميق يهدف إلى شفاء الذاكرة الجماعية لشعب عاش سنوات طويلة من القتل والتعذيب والتهجير وفقدان الكرامة.
ويقول النجار إن سوريا، التي قُتل فيها مئات الآلاف وتعرض ملايين السوريين فيها للنزوح واللجوء، تحتاج إلى عدالة تعيد للضحايا أصواتهم، وتحول دون تكرار دوامات العنف والانقسام، موضحاً أن العدالة الانتقالية لا تقوم على الانتقام، بل على التوفيق بين الحقيقة والمصالحة، بما يسمح ببناء مجتمع أكثر استقراراً وعدالة.
ويشير إلى أن تجارب دول عديدة، مثل جنوب أفريقيا بعد نظام الفصل العنصري ورواندا بعد الإبادة الجماعية، أظهرت أن العدالة الانتقالية تقوم على أربعة مرتكزات رئيسية تتمثل في كشف الحقيقة، والمساءلة، والإصلاح، والمصالحة. وفي الحالة السورية، يكتسب هذا المفهوم بعداً إنسانياً مضاعفاً، لأن الضحايا ليسوا مجرد أرقام أو إحصاءات، بل أفراد وعائلات فقدوا أبناءهم وبيوتهم وأمانهم.
ويضيف النجار: “يمكن تخيل أم في حماة فقدت أبناءها تحت التعذيب، أو شاباً في درعا شهد الإعدامات الميدانية، أو عائلة كردية اضطرت للنزوح نحو المخيمات. هؤلاء جميعاً بحاجة إلى اعتراف بمعاناتهم، لأن تجاهل الألم يترك الجرح مفتوحاً ويغذي الانقسامات والكراهية”.
ويؤكد أن البعد الإنساني للعدالة الانتقالية لا يقتصر على الضحايا فقط، بل يشمل أيضاً طريقة التعامل مع الجناة، موضحاً أن الهدف ليس إنتاج موجة جديدة من الانتقام، وإنما فرض المساءلة وفق معايير قانونية عادلة تحفظ حقوق الجميع وتعيد الثقة بمؤسسات الدولة.
ويتابع: “في الحالة السورية، حيث وُثقت انتهاكات جسيمة ارتكبتها أطراف متعددة، من السلطة السابقة إلى بعض فصائل المعارضة والجماعات المتطرفة، فإن العدالة الحقيقية تقتضي ألا يفلت أي طرف من المساءلة، لأن الإفلات من العقاب يقوّض أي فرصة لبناء دولة قانون”.
ويختم النجار حديثه بالتأكيد أن الوصول إلى سوريا ديمقراطية وآمنة ومتعددة يتطلب مساراً وطنياً شاملاً يقوم على العدالة الانتقالية باعتبارها أساس الاستقرار المستقبلي، مشيراً إلى أن هذا المسار ينبغي أن يستند إلى حوار وطني تشارك فيه مختلف القوى والمكونات السورية، وبرعاية دولية محايدة، لضمان بناء دولة تحمي الحقوق وتصون الكرامة الإنسانية.
بدورها، ترى الناشطة المدنية ولاء عبد السلام، من مدينة حماة، أن العدالة الانتقالية ليست مفهوماً نظرياً أو قانونياً مجرداً، بل حاجة حياتية ملحة لإعادة بناء المجتمع السوري بعد سنوات الحرب والانقسام.
وتقول عبد السلام إن العدالة الانتقالية الشمولية تعني تطبيق العدالة على جميع الأطراف دون استثناء، سواء ما يتعلق بالانتهاكات التي ارتكبتها السلطة السابقة، أو التجاوزات التي تورطت فيها بعض فصائل المعارضة، أو الجرائم التي نفذتها الجماعات المتطرفة والميليشيات المرتبطة بأجندات خارجية.
وتوضح أن هذه الشمولية لا تهدف إلى الانتقام، بل إلى تحقيق توازن أخلاقي وإنساني يمنع إنتاج مظالم جديدة، لأن تجاهل الانتهاكات أو التعامل معها بازدواجية سيُبقي حالة الشك والانقسام قائمة داخل المجتمع السوري، ويُعيق أي فرصة حقيقية لبناء الثقة بين السوريين.
وترى عبد السلام أن أهمية العدالة الانتقالية تكمن أيضاً في قدرتها على تحويل الذاكرة الجماعية من مصدر للانقسام والكراهية إلى مساحة مشتركة لبناء مستقبل مختلف، مؤكدة أن سوريا المستقبل تحتاج إلى دستور يحمي الحقوق، ومؤسسات مستقلة، واقتصاد يعيد الإعمار، ومجتمع يعترف بتنوعه بوصفه مصدر قوة لا سبباً للصراع.
اقرأ/ي أيضاً: السويداء واللامركزية.. إدارة المجتمعات كمدخل لإنقاذ الدولة السورية
وتشدد على أن نجاح هذا المسار يتطلب مشاركة المجتمع المدني والقوى المجتمعية في صياغته، بعيداً عن الهيمنة السياسية الضيقة، مع وجود رعاية أممية محايدة تضمن نزاهة العملية وتحول دون تكرار تجارب الفشل التي شهدتها بعض دول المنطقة.
وتختم عبد السلام بالقول: “العدالة الانتقالية ليست حلماً بعيداً، بل مسؤولية جماعية لبناء سوريا تُكرّم جميع مواطنيها، وتُصبح فيها الكرامة حقاً للجميع، والعدالة ضمانة ضد عودة الظلم والاستبداد”.
ختاماً، تبدو العدالة الانتقالية، وفق رؤية أهالي حماة، أكثر من مجرد مرحلة قانونية مرتبطة بما بعد الحرب، إذ تمثل أساساً لإعادة بناء الدولة والمجتمع على قيم الإنصاف والمساءلة والمواطنة. كما أنها تشكل فرصة لتحويل الألم السوري الطويل إلى قوة تدفع نحو تأسيس عقد وطني جديد يقوم على الشفافية واحترام الحقوق والتعددية السياسية والاجتماعية. وفي ظل التحديات التي تواجه سوريا، يبقى نجاح هذا المسار مرهوناً بقدرته على ملامسة معاناة السوريين جميعاً، وبناء مستقبل لا يُعاد فيه إنتاج الاستبداد أو العنف، بل تُصان فيه كرامة الإنسان باعتبارها القيمة الأعلى في أي مشروع وطني جامع.
ضياء العاصي- حماة









