تُعدّ مدينة حمص واحدة من أبرز النماذج السورية التي تجسّد تعقيدات إعادة بناء التعايش المدني بعد سنوات طويلة من الصراع، إذ لم تعد القضية مرتبطة بغياب العنف فحسب، بل باتت تتعلق بإعادة ترميم الثقة بين الأفراد والمجتمعات المحلية، وإحياء الروابط الاجتماعية التي تضررت بفعل الانقسامات والتوترات. وفي هذا السياق، تبرز حمص بوصفها مساحة لاختبار قدرة السوريين على إعادة إنتاج عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة والشراكة والتعددية.
وفي قلب المدن السورية يتشكل العقد الاجتماعي الذي يتيح إمكانات العيش المشترك، وقد مثّلت حمص نموذجاً حياً لتجربة تعرّض فيها النسيج المدني لاهتزازات عميقة بين التفكك وإعادة التشكل. فالتعايش المدني فيها ليس مجرد حالة من السلم الأهلي، بل عملية مركبة تستهدف إعادة إنتاج الثقة وبناء المؤسسات والذاكرة المشتركة التي تجعل من المدينة فضاءً قابلاً للتفاعل السياسي والاجتماعي على أساس الكرامة والمساواة. كما أن فهم هذه العملية يتطلب الانطلاق من واقع ميداني متشابك ما زالت تلقي عليه تداعيات الصراع بظلالها، مع التركيز على الأدوات المحلية القادرة على إعادة بناء الروابط اليومية وصياغة سياسات تمنح للمواطنة معنى يتجاوز الانتماءات الضيقة.
ويؤكد الخبير والباحث الاجتماعي الدكتور عبد الرحمن شباط، أن مدينة حمص، بكل أحيائها وريفها، ليست مجرد مساحة جغرافية، بل شبكة متكاملة من العلاقات الاجتماعية والذكريات المشتركة والتفاهمات الضمنية التي تشكّل جوهر الحياة المدنية. إلا أن هذه الشبكة تعرضت خلال سنوات الصراع لتآكل كبير، إذ ذابت ثقة الجيران تحت وطأة العنف والشكوك المتبادلة، وتحولت المساحات العامة من أماكن للتلاقي إلى حوامل لذكريات الفقدان والإقصاء. لذلك، فإن إعادة بناء التعايش المدني في حمص لا تمثل استحقاقاً إنسانياً فقط، بل مشروعاً سياسياً واستراتيجياً أساسياً لبناء دولة تستند إلى قواعد مدنية مستدامة.
اقرأ/ي أيضاً: حلب.. معيشة مثقلة واقتصاد يترنّح تحت وطأة الغلاء
ويرى الدكتور شباط أن التعايش الحقيقي يفترض استعادة المشروعية الاجتماعية وخلق أرضية مشتركة تتساوى فيها الحقوق والواجبات بصرف النظر عن الانتماءات المختلفة. ويشير إلى أن هذا الهدف لا يمكن تحقيقه عبر القوانين والقرارات الصادرة من أعلى فحسب، بل يحتاج إلى تكثيف المبادرات المحلية التي يقودها المجتمع المدني، من خلال اللجان المجتمعية والمبادرات الشبابية والثقافية والفعاليات المصغرة التي تعيد فتح قنوات الحوار بين الأحياء المختلفة. فمثل هذه الأنشطة، بحسب شباط، تسهم في إعادة إنتاج الثقة تدريجياً لأنها تتيح لقاءات متكررة تساعد على إعادة تشكيل صورة الآخر من خصم محتمل إلى جار وشريك في الحياة اليومية.
ويضيف أن العدالة الانتقالية المحلية تمثل ضرورة عملية في هذه المرحلة، مشدداً على أهمية تطوير آليات مبسطة لمعالجة النزاعات والانتهاكات اليومية. ويقول إن تأسيس لجان للمصالحة وبرامج للاعتذار والإصلاح المادي للمتضررين يمكن أن يسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، لكن غياب المساءلة سيؤدي في المقابل إلى تكريس الشعور بالظلم وإضعاف فرص بناء الثقة على المدى الطويل. ويؤكد أن العدالة المقصودة هنا ليست انتقاماً، بل عملية تؤسس لمسؤولية مشتركة وتمنح الضحايا اعترافاً مجتمعياً يساعد على فتح الطريق أمام المصالحة.
ويختم الدكتور شباط حديثه بالقول: “إن التواصل الاجتماعي والثقافي يعيد بناء ذاكرة مشتركة لكل أحياء ومدن وقرى محافظة حمص، وهذا التواصل الفعال سيكون مضادة للتمزيق المجتمعي، وأرى أن هناك ضرورة اليوم ورغم كل المآسي أن تُقام مهرجانات محلية وحملات ثقافية ومبادرات توثيق مشترك للذاكرة الحمصية تنقش قصص التلاقي أكثر من قصص الانقسام، وعلى النخب المحلية أن تؤسس خطاباً مدنياً يعترف بالجراح لكنه يركز على المستقبل المشترك، لا على حصر الهوية في انتماء أحادي”.
من جانبه، يرى المحامي وجد سلامة أن حمص، بما تمتلكه من عمق حضري وتداخل اجتماعي بين أحيائها، تواجه اليوم مهمة شاقة تتمثل في إعادة ترميم النسيج المدني الذي تضرر بفعل سنوات من العنف والانقسام. ويؤكد أن التعايش في المدينة يتجاوز فكرة إنهاء الخصومات، ليصبح عملية متكاملة لإعادة بناء منظومة اجتماعية وسياسية تسمح بعودة المدينة إلى دورها الطبيعي بوصفها فضاءً للمعايشة والإنتاج المشترك.
وبحسب سلامة، فإن نجاح أي مشروع للتعايش يبدأ من استنهاض الفاعلية المجتمعية المحلية، من خلال تمكين الجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني والمبادرات النسوية للاضطلاع بدور قيادي في تعزيز التواصل اليومي بين المواطنين، إضافة إلى توسيع مساحات الحوار على امتداد المحافظة بصورة حيادية تساعد على نقل الأفراد من مواقع التوتر والانكفاء إلى فضاءات التشارك والتعاون. ويشير إلى أن هذه الفعاليات تسهم في بناء نوع من الثقة البسيطة لكنها أساسية، وهي ثقة لا تُبنى بالشعارات بل بالممارسات اليومية المتكررة.
ويؤكد سلامة أن إدارة الخلافات ينبغي أن تنتقل من منطق تصفية الحسابات إلى منطق الحد من الخسائر وإصلاح العلاقات الاجتماعية. ويرى أن ذلك يتطلب إنشاء آليات محلية قائمة على المشاركة المجتمعية، مثل لجان وساطة شاملة ومستقلة تضم قضاة محليين وشخصيات اعتبارية، بما يوفر إطاراً عملياً لتسوية النزاعات اليومية وإزالة العقبات التي تعيق التواصل بين الأحياء المختلفة. كما يشدد على أن الشفافية ومشروعية القرارات تشكلان الشرط الأساسي لنجاح هذه الآليات وقبولها مجتمعياً.
ويضيف سلامة أن الواقع السوري الراهن، عموماً، وواقع محافظة حمص على وجه الخصوص، يستدعي العمل على إنتاج سرديات بديلة قادرة على كسر فكرة “العدو الدائم”، وذلك عبر تسليط الضوء على قصص التضامن والمساندة المتبادلة بين أبناء المدينة. ويعتقد أن إبراز هذه النماذج الإيجابية يسهم في إحداث تحول تدريجي في تصورات الناس، ويعيد تشكيل الذاكرة الجماعية حول مفهوم المدينة المشتركة.
اقرأ/ي أيضاً: مجلس الشعب المرتقب في اللاذقية.. بين التأسيس الوطني وهواجس إعادة إنتاج الماضي
ويختم سلامة بقوله: “يجب أن تكون العملية طويلة الأمد ومرنة، تعترف بنقاط الضعف وتحتفي بالنجاحات الصغيرة، خاصة أن إعادة التعايش في حمص ليست مشروع جهة واحدة بل مهمة تراكمية تتطلب مشاركة المواطنين، ومؤسسات مدنية فعالة، ودعم لتقوية خدمات المدينة، ومن خلال هذه المكونات المتكاملة يمكن لحمص أن تستعيد ليس فقط أمان أحيائها ولكن أيضاً مشروعاً مدنياً قابلاً للاستمرار وإنتاج مواطنة مشتركة، يمكن تعميمه على كل المناطق السورية”.
وفي المحصلة، تبدو إعادة بناء التعايش المدني في حمص عملية متعددة الأبعاد تتطلب العمل على استعادة الثقة عبر اللقاءات المنتظمة والمشاريع المشتركة وآليات معالجة الخلافات، بالتوازي مع تعزيز العدالة المحلية القادرة على معالجة الجروح المجتمعية والاعتراف بالضرر وإصلاح آثاره. كما تبرز الحاجة إلى بناء سرديات جامعة تستند إلى الذاكرة المشتركة وتجارب التضامن والتنوع الإيجابي، بما يعزز الشعور بالانتماء إلى مدينة واحدة ومجتمع واحد. ومن هذا المنطلق، فإن التعايش في حمص لا يمثّل مشروعاً محلياً فحسب، بل يشكل نموذجاً سورياً يمكن البناء عليه لإعادة تعريف المواطنة بوصفها حقاً متساوياً والتزاماً متبادلاً بين جميع السوريين.
سحر الحمصي- حمص








