شهدت محافظة إدلب خلال الأيام الماضية موجة احتجاجات واسعة رفعت شعار محاسبة المتورطين في الانتهاكات التي ارتُكبت خلال سنوات حكم النظام السوري السابق، في مشهد يعكس تصاعد المطالب الشعبية بالعدالة الانتقالية بعد سنوات طويلة من الحرب والانتهاكات. وبينما يؤكد المحتجون أن هدفهم تحقيق المساءلة وإنصاف الضحايا، تثير بعض التطورات الميدانية مخاوف متزايدة من انزلاق هذا الملف الحساس نحو أشكال من الانتقام المجتمعي أو أخذ القانون باليد، بما قد يهدد فرص الاستقرار والسلم الأهلي في المرحلة المقبلة.
وتكتسب هذه الاحتجاجات أهمية خاصة في هذا التوقيت، لأنها ترتبط بأحد أكثر الملفات تعقيداً في سوريا الجديدة؛ فنجاح أي عملية انتقال سياسي لا يقاس فقط بإنهاء الصراع، بل أيضاً بقدرة الدولة على التعامل مع إرث الانتهاكات السابقة عبر مسارات قانونية ومؤسساتية تضمن الحقوق وتمنع تكرار المظالم. ولذلك تبدو المطالب المتعلقة بالمساءلة اليوم جزءاً من نقاش أوسع حول شكل العدالة المطلوبة ومستقبل التعايش بين السوريين.
احتجاجات متواصلة في عدة مناطق
خرجت مساء الأحد تظاهرات في مدن وبلدات عدة بريف إدلب، من بينها جسر الشغور وكفرنبل ومناطق أخرى، رافعة شعارات تدعو إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات السابقة ورفض الإفلات من العقاب. كما ركزت هتافات المحتجين على ضرورة عدم السماح بعودة أو إعادة دمج شخصيات متهمة بالتعاون مع أجهزة النظام السابق قبل إخضاعها للمساءلة القانونية.
اقرأ/ي أيضاً: العدالة الانتقالية في الساحل السوري.. بين استعادة الحقيقة وتجاوز الأحكام الجماعية
وترافقت هذه التحركات مع احتجاجات مشابهة في مناطق أخرى من شمال سوريا، حيث برزت شعارات من قبيل “لا عفو ولا حصانة” و”محاسبة المتورطين بالانتهاكات”، في إشارة إلى اتساع النقاش الشعبي حول ملف العدالة الانتقالية وآليات التعامل مع إرث المرحلة السابقة.
يقول عبدالناصر الجويد أحد المشاركين في الاحتجاجات: “لسنا هنا للمطالبة بالثأر من أحد، بل للمطالبة بحقوق الضحايا وعائلاتهم. لا يمكن بناء مستقبل مستقر إذا شعر الناس أن من ارتكب الانتهاكات أو ساهم فيها يستطيع الإفلات من المحاسبة والعودة إلى حياته الطبيعية وكأن شيئاً لم يكن”.
تطور ميداني يثير المخاوف
غير أن المشهد شهد تطوراً أكثر حساسية في مدينة كفرتخاريم بريف إدلب الغربي، بعدما تحدثت تقارير محلية عن مقتل شخص متهم من قبل بعض المحتجين بالارتباط بالنظام السابق إثر تعرضه للاعتداء من قبل مجموعة من الأهالي، إضافة إلى تسجيل حوادث عنف أخرى مرتبطة بالتوترات القائمة.
وأعادت هذه الحادثة إلى الواجهة التساؤلات حول الحدود الفاصلة بين العدالة والانتقام، وحول قدرة المؤسسات الرسمية على إدارة هذا الملف ضمن أطر قانونية تمنع تحول المطالب المشروعة إلى مواجهات مجتمعية أو عمليات ثأر فردية.
ويرى باسم العلي خبير في القانون و قضايا العدالة الانتقالية أن “الفرق الجوهري بين العدالة والانتقام يتمثل في وجود مؤسسات قانونية مستقلة وإجراءات واضحة تقوم على الأدلة والحقائق. العدالة الانتقالية لا تستهدف جماعات أو فئات بعينها، بل تحدد المسؤوليات الفردية وتمنح الضحايا حقهم ضمن إطار قانوني يحفظ السلم الأهلي ويمنع إنتاج دورة جديدة من العنف”.
لماذا تتصاعد هذه المطالب الآن؟
تعود خلفية الاحتجاجات الحالية إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها شعور متزايد لدى قطاعات من السكان ببطء التقدم في ملفات المحاسبة وكشف الحقيقة، فضلاً عن استمرار وجود أشخاص يتهمهم الأهالي بالمشاركة في الانتهاكات السابقة داخل مجتمعاتهم المحلية دون صدور إجراءات قضائية واضحة بحقهم.
كما تمثل مطالب الضحايا وذويهم عاملاً أساسياً في هذا الحراك، إذ يرى كثيرون أن أي حديث عن المصالحة المجتمعية أو الاستقرار الدائم يفقد معناه إذا لم يسبقه مسار جدي لكشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات.
ويقول رائد عبدالجواد، وهو ناشط حقوقي متابع للملف: “التجارب الدولية تظهر أن تجاهل مطالب الضحايا لا يؤدي إلى الاستقرار، لكنه يخلق احتقاناً مؤجلاً. وفي المقابل، فإن اللجوء إلى العقاب الجماعي أو استهداف الأفراد خارج القضاء يقوض فكرة العدالة نفسها. المطلوب هو بناء مؤسسات قادرة على تحقيق الحقيقة والمساءلة وفق القانون”.
تكشف الاحتجاجات الجارية عن وجود إجماع واسع على مبدأ المحاسبة، لكن الخلاف يتركز حول الوسائل والآليات. فالعدالة الانتقالية تقوم على كشف الحقيقة، والمساءلة القانونية، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار عبر مؤسسات الدولة. أما الانتقام المجتمعي فيرتكز على ردود فعل فردية أو جماعية خارج الأطر القانونية، وغالباً ما يؤدي إلى توسيع دائرة النزاع بدلاً من إغلاقها.
اقرأ/ي أيضاً: حمص والتعايش المدني… مسار لإعادة بناء الثقة والمواطنة المشتركة
وفي هذا السياق، تبدو الأحداث التي شهدتها كفرتخاريم بمثابة إنذار مبكر للمخاطر التي قد تنشأ عندما يتراجع دور القضاء لصالح الأحكام الشعبية أو ردود الفعل الغاضبة، وهو ما قد يهدد السلم الأهلي ويقوض أهداف العدالة نفسها.
في المحصلة، تعكس احتجاجات إدلب تصاعداً واضحاً في المطالب الشعبية المرتبطة بالعدالة الانتقالية ومحاسبة المتورطين في انتهاكات الماضي، لكنها تكشف أيضاً حجم التحدي الذي تواجهه الحكومة السورية في هذه المرحلة. فنجاح عملية العدالة لن يقاس فقط بمدى الاستجابة لمطالب الشارع، بل بقدرة الدولة على تحويل هذه المطالب إلى مسار قانوني ومؤسساتي شفاف يحقق الإنصاف للضحايا، ويمنع في الوقت ذاته الانزلاق نحو الفوضى أو الثأر، بما يضمن حماية السلم الأهلي وإرساء أسس استقرار مستدام.
بلال الاحمد- إدلب








