لا يمكن فهم إشكاليات العدالة الانتقالية في سوريا بعد سقوط نظام الأسد من دون تفكيك البنية المعقدة التي حكمت العلاقة بين الساحل السوري ومركز السلطة طوال العقود الماضية. فالساحل لم يكن مجرد حاضنة جغرافية للنظام السابق، بل شكّل فضاءً اجتماعياً وعسكرياً ورمزياً ساهم في إعادة إنتاج السلطة. ومع ذلك، لم يكن هذا الفضاء كتلة واحدة في علاقته بالنظام، إذ يضم طبقات اجتماعية متباينة ومكونات دينية متعددة، كما يحمل إرثاً من التهميش الاقتصادي سبق سنوات التمكين السياسي المحدود.
ومن هنا، لا تقتصر إشكالية العدالة الانتقالية على محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بل تمتد إلى إعادة بناء هوية سياسية جديدة لمجتمع يواجه أزمة ضمير جماعي معقدة. فكيف يمكن لمجتمع يُنظر إليه أحياناً بصورة تبسيطية على أنه “قلعة للنظام السابق” أن يعيد تموضعه ضمن مشروع العدالة الوطنية؟ وكيف يمكن تجاوز منطق الاتهام الجماعي لصالح مقاربة تؤسس لمرحلة جديدة يكون عنوانها العدالة والمواطنة؟
تؤكد الباحثة السياسية والناشطة المدنية من مدينة جبلة، عفراء درويش، أن العدالة الانتقالية في الساحل لا يمكن أن تُبنى على فرضية الانقلاب الهوياتي، أي الانتقال من توظيف الهوية العلوية كأداة للتمكين السياسي إلى تهميشها كرد فعل على سنوات الحرب.
اقرأ/ي أيضاً: حمص والتعايش المدني… مسار لإعادة بناء الثقة والمواطنة المشتركة
وترى درويش أن هذا المنطق يعيد إنتاج الأسباب ذاتها التي قادت البلاد إلى أزماتها، موضحة أن توظيف السياسة لخدمة الهوية بدلاً من توظيف الهوية في خدمة المواطنة يمثل كارثة وطنية تفتح الباب أمام أزمات جديدة. وتشدد على أن الساحل يحتاج إلى “عدالة تنويرية” تبدأ بالاعتراف بأن أجيالاً من أبنائه عاشت ظروفاً من الفقر والإقصاء الاقتصادي قبل أن تدخل في دوامة الاستقطاب السياسي، وأن التمييز بين الساحل المتمكن والساحل المهمّش يمثل شرطاً أساسياً لأي مقاربة جادة للعدالة.
وتضيف أن المجتمع المدني في الساحل يمتلك تجارب نضالية غُيّبت عن الأرشيف السياسي السوري، بدءاً من الاحتجاجات المبكرة التي شهدتها مدن مثل بانياس وجبلة عام 2011، وصولاً إلى أشكال المقاومة اليومية للفساد والتجنيد الإجباري. لذلك، فإن العدالة الانتقالية، وفق درويش، يجب أن تستند إلى استعادة الذاكرة المدنية للساحل لا إلى اختزاله في صورة جماعية موحدة. وتؤكد أن أي قراءة تاريخية تتجاهل هذا التنوع الداخلي ستتحول إلى عدالة انتقامية تعمّق الانقسام بدلاً من معالجته.
وتختم درويش بالقول إن السؤال الجوهري لا يتمثل فقط في تحديد من يجب أن يُحاسب، بل في كيفية بناء مجتمعات تمتلك إرادتها السياسية المستقلة عن أي مركز سلطة جديد. وترى أن اللامركزية الإدارية والاقتصادية تمثل شرطاً أساسياً لتحرير الساحل من علاقة التبعية التي ربطته بالنظام السابق، مؤكدة أن العدالة الانتقالية الحقيقية تبدأ عندما يصبح الساحل شريكاً في صياغة الخطاب الوطني الجامع، لا مجرد موضوع لخطابات السلطة أو المعارضة.
من جانبه، يرى الناشط الحقوقي من طرطوس، سامر السلوم، أن إشكالية العدالة الانتقالية في الساحل ترتبط أيضاً بالإرث القانوني المشوّه الذي خلفه النظام السابق. فالمؤسسة القضائية، بحسب وصفه، لم تكن مجرد أداة للقمع، بل ساهمت في ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب وتحويلها إلى جزء من الواقع الاجتماعي. لذلك، فإن أي عملية عدالة انتقالية لا تترافق مع إصلاح حقيقي للمؤسسة القضائية ستبقى قاصرة عن تحقيق أهدافها.
ويؤكد السلوم أن الحقيقة، بوصفها الركيزة الأساسية للعدالة الانتقالية، لا يمكن الوصول إليها عبر الاعترافات الإعلامية أو الشهادات الانتقائية، بل من خلال لجان استماع مجتمعية تنطلق من الأحياء والمجتمعات المحلية. كما يدعو إلى تجاوز الخطاب الاتهامي السائد تجاه الساحل، وإعادة قراءته بوصفه فضاءً متنوعاً في طبقاته وتجارب أبنائه ومواقفهم السياسية، مع التركيز على بناء منظومة قانونية ومؤسساتية تضمن الحق والمحاسبة.
ويشير السلوم إلى أن الساحل يعيش حالة “ضحية مزدوجة”، فهو كان ضحية للنظام خلال سنوات الفقر والتجنيد والتهميش السياسي، كما أصبح ضحية لخطابات معارضة اختزلته في صورة الموالاة وألغت تنوعه الاجتماعي. ويستشهد في ذلك بآلاف الشبان الذين قُتلوا في صفوف جيش النظام، معتبراً أن كثيرين منهم كانوا ضحايا لآليات البقاء والإكراه أكثر من كونهم أصحاب قرار سياسي. ويحذر من أن تجاهل هذه الحقائق قد يقود إلى عدالة انتقائية تعاقب الفئات الأضعف، بينما ينجو أصحاب النفوذ الذين تمكنوا من إعادة تموضعهم اقتصادياً وسياسياً.
اقرأ/ي أيضاً: حلب.. معيشة مثقلة واقتصاد يترنّح تحت وطأة الغلاء
ويختم السلوم بالتأكيد على أن الحل لا يكمن في عفو عام يقود إلى النسيان، ولا في محاسبة شاملة تتحول إلى انتقام جماعي، بل في تصنيف دقيق للمسؤوليات يميز بين صاحب القرار والمنفذ الواقع تحت الإكراه والمستفيد غير المباشر. ويرى أن العدالة الانتقالية في الساحل يجب أن تكون عدالة تأسيسية تضع أسس دولة القانون، لا أن تتحول إلى أداة لعقد صفقات سياسية جديدة.
ختاماً، إذا أُريد للعدالة الانتقالية أن تكون أكثر من مجرد شعار سياسي أو إجراء قانوني، فلا بد من النظر إليها بوصفها عملية إعادة تأسيس للعلاقة بين الفرد والجماعة والدولة. وهذا يتطلب الانتقال من منطق المحاسبة الضيق إلى منطق الإصلاح البنيوي الشامل، بحيث لا يقتصر الأمر على معاقبة المسؤولين عن الانتهاكات، بل يمتد إلى معالجة الظروف التي أنتجتها. فالفساد المؤسسي والتطرف الهوياتي والعنف الاقتصادي ليست ظواهر منفصلة، بل تعبيرات مختلفة عن بنية واحدة تحتاج إلى تفكيك عميق.
كما أن بناء مستقبل مستقر لا يمكن أن يقوم على ذاكرة انتقائية تُبرئ طرفاً وتدين آخر وفق اعتبارات سياسية عابرة. فالذاكرة الجماعية، إذا جرى تزييفها أو تهميشها، قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر، لكنها في المقابل لا تكفي وحدها ما لم تُرفق بآليات للمصالحة والاعتراف المتبادل. وعند هذه النقطة تحديداً، تلتقي العدالة بالحقيقة، وتصبح المصالحة الوطنية مشروعاً ممكناً لا مجرد شعار.
معن جبلاوي- اللاذقية








