تمثل محافظة درعا نموذجاً مكثفاً للأزمات الاقتصادية والمعيشية التي تعيشها سوريا عموماً، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لتنتج واقعاً معقداً تجاوز حدود الأزمات المعيشية اليومية. فما تشهده المحافظة اليوم لا يقتصر على ارتفاع الأسعار أو تراجع فرص العمل، بل يعكس اختلالات أعمق في بنية الاقتصاد الوطني وآليات الإدارة والحكم ومستوى الثقة بين المجتمع والمؤسسات. لذلك، فإن أي قراءة جادة للواقع الاقتصادي والمعيشي لا يمكن أن تقتصر على رصد المؤشرات والأرقام، بل ينبغي أن تتناول الأسباب البنيوية التي قادت إلى هذا التدهور وانعكاساتها على حياة المواطنين.
وفي هذا السياق، يؤكد سالم الجبور، أحد وجهاء محافظة درعا، أن الواقع الاقتصادي والمعيشي في المحافظة يعكس تراكماً لأزمات محلية ووطنية متشابكة. فدرعا، التي لا تزال تحمل آثار سنوات الصراع والنزوح والتفكك الاجتماعي، تعاني من تراجع فرص العمل وضعف الخدمات العامة وغياب الاستثمارات المنتجة. ويشير إلى أن البنية التحتية تعاني من تدهور واضح في قطاعات الطرق والمياه والصحة والطاقة، نتيجة غياب الصيانة المستدامة، الأمر الذي يرفع تكاليف المعيشة ويحد من قدرة الاقتصاد المحلي على الإنتاج والنمو.
ويضيف الجبور أن تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار أسهما في اتساع دائرة الفقر، ودفعا شريحة واسعة من السكان إلى الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي والتحويلات المالية والمساعدات الإنسانية، وهو ما يزيد من هشاشة المجتمع ويجعله أكثر عرضة للتقلبات الاقتصادية والاستغلال السياسي.
اقرأ/ي أيضاً: السويداء والعدالة الانتقالية: من المحاسبة إلى إعادة بناء الثقة الوطنية
وبحسب الجبور، فإن أسباب هذا التدهور لا تقتصر على محافظة درعا وحدها، بل تمتد إلى مختلف المحافظات السورية، حيث يواجه السوريون عموماً ظروفاً معيشية صعبة. ويرى أن هناك عوامل هيكلية تقف وراء هذا الواقع، من بينها اقتصاد مركزي أعاد توجيه رؤوس الأموال نحو قطاعات غير منتجة، وضعف الضمانات القانونية للمستثمرين المحليين، وانتشار الفساد الذي يعيق تنفيذ المشاريع التنموية. كما أن غياب بيئة مستقرة تضمن سيادة القانون وحماية حقوق الملكية يرفع من مستويات المخاطرة ويحد من تدفق الاستثمارات.
ويشدد الجبور على أن تعزيز الاستقرار والسلم الأهلي يمثل شرطاً أساسياً لأي عملية تعافٍ اقتصادي. ويرى أن استعادة الثقة تتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات، تشمل إصلاحات أمنية محلية تعطي الأولوية لحماية المدنيين وتعزيز سيادة القانون، إلى جانب آليات للعدالة الانتقالية تسهم في الحد من النزعات الانتقامية وتعزز المصالحة المجتمعية. كما يدعو إلى إصلاحات إدارية تحد من الفساد من خلال تعزيز الشفافية في العقود والمناقصات، وتفعيل دور المجالس المحلية في إدارة الموارد وتوزيعها بشكل عادل، إضافة إلى إطلاق برامج اقتصادية عاجلة تستهدف خلق فرص عمل من خلال إعادة تأهيل البنى التحتية ودعم القطاعات الإنتاجية المحلية، ولا سيما الزراعة والحرف والمشروعات الصغيرة.
ويؤكد الجبور أن جذب الاستثمارات المحلية والخارجية يتطلب توفير بيئة أعمال مستقرة وقوانين واضحة تحمي الأصول وتمنح المستثمرين الضمانات اللازمة، فضلاً عن توفير تسهيلات ائتمانية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص ضمن أطر رقابية تضمن الشفافية والمساءلة. كما يشير إلى أهمية ربط التعافي الاقتصادي بعدالة اجتماعية تضمن توزيعاً أكثر توازناً للموارد والثروات، بما يعزز الشعور بالمواطنة والانتماء ويخفف من حدة التوترات الاجتماعية.
ويختم الجبور بالقول: “دون استقرار سياسي وأمني مؤسسي، وإصلاحات إدارية واقتصادية متزامنة، ستبقى درعا وسوريا عموماً عرضة للتدهور الاقتصادي والمعيشي. فالاستثمار الحقيقي يبدأ بإعادة بناء الثقة وترسيخ سيادة القانون وتوفير فرص العمل والخدمات الأساسية، قبل الانتقال إلى مرحلة جذب رؤوس الأموال. وهو مسار طويل، لكنه ممكن إذا ما وُضعت له خارطة طريق تشاركية وشفافة تضمن مصالح السكان واستدامة التنمية”.
من جانبه، يرى الناشط السياسي محمد الجعبر أن الواقع المعيشي في درعا يعكس فشلاً متراكماً في سياسات التنمية المحلية، إضافة إلى تضارب المصالح واستحواذ بعض المقربين من السلطة على المزايا الاقتصادية، الأمر الذي أضعف قدرة السوريين على التكيف مع متطلبات الحياة المتزايدة. ويؤكد أن ما تشهده البلاد لا يتعلق فقط بندرة الموارد، بل بانهيار شبه كامل لسلاسل اقتصادية محلية كانت تشكل ركيزة أساسية للاستقرار المعيشي.
ويقول الجعبر إن هذا الواقع يرتبط إلى حد كبير بقرارات اقتصادية ذات أبعاد سياسية تتجاوز حدود الإدارة المحلية، مشيراً إلى أن الأزمة أصبحت مرتبطة بمستوى الثقة بالمؤسسات وآليات اتخاذ القرار. ويضيف أن شعور المواطنين بأن توزيع الخدمات والفرص يتأثر بالانتماءات السياسية والنفوذ القائم يوسع الفجوة بين المجتمع والمؤسسات، ويجعل أي أزمة اقتصادية قابلة للتحول إلى أزمة اجتماعية أوسع، ما لم تُعالج جذور المشكلة المتعلقة بالمشاركة والتمثيل والحوكمة.
اقرأ/ي أيضاً: احتجاجات إدلب بين مطلب المحاسبة ومخاطر الانتقام.. هل تنجح سوريا في اختبار العدالة الانتقالية؟
ويؤكد الجعبر أن الخروج من الأزمة يتطلب إطاراً اقتصادياً متكاملاً يقوم على تعزيز الاقتصادات المحلية المستدامة، وإصلاح إدارة الخدمات العامة، وإعادة بناء رأس المال الاجتماعي. كما يدعو إلى تبني برامج تمويل ميسرة للمزارعين والتعاونيات الإنتاجية، وإنشاء صناديق صغيرة لإعادة الإعمار تعتمد على موارد محلية وخارجية، إضافة إلى توفير تسهيلات ائتمانية بضمانات مجتمعية واستقطاب استثمارات ذات طابع تنموي واجتماعي. ويرى أن اعتماد سياسات نقدية أكثر مرونة يمكن أن يسهم في تنشيط الأسواق المحلية والتخفيف من الضغوط المعيشية المباشرة على الأسر.
ويختتم الجعبر حديثه بالقول: “إن استدامة السلم الأهلي مرتبطة بقدرة السياسات العامة على تحويل الموارد المحدودة إلى فرص عمل حقيقية ومصادر دخل مستقرة، إلى جانب محاسبة الفاسدين وضمان حق المواطنين في المشاركة الاقتصادية. فخفض المخاطر لا يتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، بل بتوفير سبل عيش مستقرة ومؤسسات شفافة تعزز الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع”.
وفي المحصلة، تبدو الأزمة الاقتصادية والمعيشية في درعا جزءاً من أزمة وطنية أوسع تتطلب استجابات تتجاوز الحلول المؤقتة والإجراءات الإسعافية المحدودة. فاستمرار التدهور الاقتصادي وفقدان مصادر الدخل في مختلف المناطق السورية ينذر بتداعيات خطيرة على المستويات الاجتماعية والسياسية والأمنية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى سياسات اقتصادية أكثر فاعلية وعدالة، تستند إلى رؤية واضحة للتعافي والتنمية، وتضع في مقدمة أولوياتها تحسين الظروف المعيشية للسكان واستعادة الثقة بالمؤسسات، باعتبار ذلك المدخل الأساسي لأي استقرار مستدام.
هيثم الحوراني- درعا








