تُعدّ محافظة اللاذقية، بما تمثله من ثقل جغرافي واجتماعي، إحدى أكثر المناطق السورية حساسية في المرحلة الراهنة، إذ تتقاطع فيها اعتبارات التاريخ والجغرافيا والتنوع المجتمعي، ما يجعل الحفاظ على السلم الأهلي فيها قضية تتجاوز حدود المحافظة لتنعكس على الاستقرار السوري عموماً. وفي ظل التحولات السياسية التي تشهدها البلاد، تبرز إدارة التوترات المجتمعية بوصفها تحدياً أساسياً يتطلب مقاربة شاملة لا تقتصر على المعالجات الأمنية، بل تمتد إلى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
يرى الباحث الاجتماعي الدكتور عبد المنعم درويش أن فهم واقع اللاذقية يبدأ من إدراك طبيعتها بوصفها فضاءً اجتماعياً متنوعاً، استطاع على امتداد عقود أن يقدم نموذجاً للتعايش بين مكوناته المختلفة. ويشير إلى أن المحافظة لم تكن يوماً ذات هوية أحادية، بل تشكلت من تنوع ديني وطائفي انعكس في الأسواق المشتركة والأحياء المتداخلة والعلاقات الاجتماعية والمصاهرات، الأمر الذي أسهم في بناء نسيج اجتماعي متماسك يصعب تفكيكه.
ويؤكد درويش أن الحفاظ على هذا النسيج يتطلب جهداً مستمراً، لأن التوتر الطائفي لا ينشأ بصورة مفاجئة، وإنما يتراكم نتيجة عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية متشابكة. ويضيف أن الأزمة الاقتصادية التي تعيشها سوريا اليوم تؤثر بصورة مباشرة في مستوى الثقة بين الفئات الاجتماعية، فكلما تراجعت فرص العمل واشتدت الضغوط المعيشية ارتفعت احتمالات توجيه الإحباط نحو الآخر، وهو ما يفتح المجال أمام الخطابات الطائفية لاستثمار المعاناة الاقتصادية وتحويلها إلى انقسام اجتماعي.
اقرأ/ي أيضاً: حماة والتوترات المجتمعية… المصالحة المحلية بوابة لاستعادة السلم الأهلي
ويشدد على أن معالجة هذه التحديات تتطلب رؤية متعددة الأبعاد، تبدأ من تعزيز العدالة في توزيع الفرص والموارد ومنع احتكارها، لأن الشعور بالغبن الاقتصادي قد يتحول إلى أرضية خصبة للتوتر المجتمعي. كما يرى أن للمؤسسات التعليمية دوراً محورياً في ترسيخ ثقافة التعايش، من خلال تطوير المناهج وأساليب تدريس التاريخ بما يعزز قيم الشراكة والتنوع، ويمنح الأجيال الجديدة فهماً نقدياً للماضي بعيداً عن تكريس الانقسامات.
ويختتم درويش حديثه بالتأكيد على أن استقرار الساحل السوري لا ينفصل عن استقرار البلاد بأكملها، فهذه المنطقة تمثل بوابة سوريا على البحر المتوسط، وتؤدي دوراً اقتصادياً واجتماعياً يتجاوز أهميتها الأمنية. لذلك فإن بناء السلم المجتمعي في اللاذقية، بحسب وصفه، ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية تستدعي من مختلف الفاعلين المحليين والوطنيين التخلي عن الاستثمار في التناقضات الاجتماعية، والعمل على بناء الثقة بصورة تدريجية ومستدامة.
من جانبه، يرى الناشط السياسي سامر شاهين أن اللاذقية تعيش اليوم حالة من القلق الكامن خلف تفاصيل الحياة اليومية. ويوضح أن أحاديث السكان لا تقتصر على الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار وانقطاع الكهرباء، بل تمتد إلى مخاوف غير معلنة تتعلق بالمستقبل وبالعلاقات بين مكونات المجتمع، معتبراً أن هذا القلق الصامت يمثل أحد أكبر التحديات أمام جهود ترسيخ السلم المجتمعي.
ويشير شاهين إلى أن الساحل السوري، واللاذقية على وجه الخصوص، لم يكونا بمنأى عن تداعيات سنوات الصراع، وهو ما ترك آثاراً عميقة في الذاكرة الجمعية للسكان. ويرى أن تجاوز هذه المرحلة لا يتحقق عبر تجاهل تلك الذاكرة، وإنما من خلال الاعتراف بها ومعالجتها بمسؤولية، لأن القضايا المؤجلة قد تعود للظهور بصورة أكثر تعقيداً إذا لم تتم معالجتها في الوقت المناسب.
اقرأ/ي أيضاً: درعا بين ضغوط المعيشة وتحديات التعافي الاقتصادي
ويؤكد أن إدارة التوترات المجتمعية تتطلب شجاعة سياسية تقوم على الاعتراف بالمشكلات والعمل على معالجتها عملياً، بدلاً من الاكتفاء بالشعارات. وفي هذا السياق، يدعو إلى تعزيز العدالة والشفافية في سياسات التوظيف والتعيين، وضمان توزيع أكثر توازناً للموارد والخدمات العامة، باعتبار أن الشعور بالتمييز أو غياب تكافؤ الفرص يعد من أبرز العوامل التي تغذي الاحتقان الاجتماعي.
ويختتم شاهين بالتأكيد على أن التنوع الذي تتميز به اللاذقية يمثل مصدر قوة لا عامل انقسام، إذا ما أُدير ضمن إطار المواطنة المتساوية وسيادة القانون. ويضيف أن أبناء المحافظة يتطلعون إلى دولة تضمن الحقوق والكرامة لجميع المواطنين دون تمييز، لأن ترسيخ مفهوم المواطنة من شأنه أن يعزز الانتماء الوطني ويحد من تأثير الانتماءات الضيقة.
وفي المحصلة، تبدو إدارة التوترات المجتمعية في اللاذقية جزءاً من استحقاق وطني أشمل يرتبط بمستقبل سوريا واستقرارها. فالسلم المجتمعي ليس إجراءً مؤقتاً أو ملفاً يمكن إغلاقه بقرارات إدارية، بل هو عملية مستمرة تتطلب مشاركة مختلف القوى والمؤسسات، والعمل على ترميم الثقة ومعالجة آثار سنوات الصراع. وفي هذا الإطار، يشكل الاستثمار في استقرار اللاذقية والساحل السوري استثماراً مباشراً في استقرار سوريا، بما يعزز فرص التعافي الوطني وبناء مجتمع أكثر تماسكاً وقدرة على مواجهة تحديات المرحلة المقبلة.
معن جبلاوي- اللاذقية








