لا يمكن اختزال المرحلة الانتقالية في سوريا بكونها مرحلة فاصلة بين نظامين سياسيين، أو التعامل معها باعتبارها مساراً تفاوضياً بين القوى السياسية فحسب. فبعد سنوات من النزاع، باتت هذه المرحلة تمثل استحقاقاً تاريخياً لإعادة النظر في أسس الدولة السورية، وطبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وآليات بناء مؤسسات قادرة على استيعاب التنوع الاجتماعي والسياسي. ومن هذا المنطلق، فإن نجاح المرحلة الانتقالية لا يرتبط فقط بإبرام الاتفاقات السياسية، بل بقدرتها على إرساء مؤسسات فاعلة تستجيب للتحولات العميقة التي شهدها المجتمع السوري.
وفي ظل تعقيدات المشهد السوري، يرى مراقبون أن مقاربة المرحلة الانتقالية من منظور النخب السياسية وحدها تبقى قاصرة عن تفسير حجم التحديات القائمة. فالنزاع لم يغيّر موازين القوى السياسية فقط، بل أعاد تشكيل البنية الاجتماعية والاقتصادية والمؤسسية، الأمر الذي يجعل الاستماع إلى رؤى أبناء المحافظات التي عايشت الحرب بشكل مباشر ضرورة لفهم متطلبات الانتقال وإعادة بناء الدولة.
وفي هذا السياق، يؤكد الناشط السياسي من مدينة حمص، الدكتور فادي البرازي، أن الإشكالية الأساسية في المرحلة الانتقالية لا تتعلق بطبيعة القيادة وحدها، وإنما بمدى قدرة الدولة ومؤسساتها على استيعاب التوافقات السياسية وتحويلها إلى واقع عملي. ويقول إن الدولة السورية، بعد سنوات النزاع، لم تفقد جانباً من شرعيتها السياسية لدى شرائح واسعة من المجتمع فحسب، بل تراجعت أيضاً قدرتها المؤسسية على تمثيل التنوع السوري، ما يجعل إعادة بناء المؤسسات شرطاً يسبق أي حديث عن تسويات سياسية دائمة.
اقرأ/ي أيضاً: اللاذقية والسلم المجتمعي.. إدارة التنوع ركيزة لاستقرار سوريا
ويرى البرازي أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الوصول إلى صيغ توافقية، بل في امتلاك مؤسسات قادرة على ترجمة هذه التوافقات إلى سياسات وإجراءات تنعكس على حياة المواطنين. ويشير إلى أن مدينة حمص تمثل نموذجاً واضحاً لهذا التحدي، بعدما شهدت خلال سنوات الحرب تراجعاً كبيراً في دور المؤسسات المحلية، وظهور أشكال من الإدارة المجتمعية فرضتها الضرورة. ولذلك، فإن إعادة دمج المجتمعات المحلية ضمن إطار الدولة تتطلب إعادة صياغة العلاقة بين المركز والمحافظات، وبين السلطة والمجتمع، بما يضمن شراكة حقيقية لا علاقة تبعية.
ويضيف أن الحديث عن عقد اجتماعي جديد يعني، في جوهره، إعادة تعريف هذه العلاقة على أسس أكثر توازناً، فلا يمكن بناء عقد مستقر إذا استمرت النظرة المركزية إلى المحافظات باعتبارها وحدات إدارية تابعة، كما لا يمكن للمجتمعات المحلية التخلي عن آلياتها التي طورتها خلال سنوات النزاع من دون ضمانات مؤسسية حقيقية. وبرأيه، فإن نجاح المرحلة الانتقالية مرهون بقدرة الدولة على إعادة توزيع السلطة والموارد بصورة تعكس التنوع السوري، بحيث تصبح المواطنة والانتماء إلى المصير المشترك أساساً للحقوق والواجبات.
ويؤكد البرازي أن التوافق بين السوريين يجب أن يبدأ من الاتفاق على شكل الدولة وطبيعة سلطتها، قبل الانتقال إلى تقاسم السلطة بين القوى السياسية. فالدولة التي تعجز عن تحقيق الحد الأدنى من العدالة في توزيع الخدمات والموارد لن تكون قادرة على بناء عقد اجتماعي جديد. ويشير إلى أن تجربة حمص، بما شهدته من تفاوت في مستويات الدمار والتعافي بين أحيائها، تعكس واقع سوريا بأكملها، حيث لا يمكن تحقيق توافق وطني من دون معالجة الاختلالات المكانية والاجتماعية التي خلفتها الحرب. ويختتم حديثه بالتأكيد على أن نجاح المرحلة الانتقالية يقاس بقدرة الاتفاقات على إحداث تغيير مؤسسي ملموس في حياة المواطنين، وتعزيز أدوات الرقابة والمساءلة لمنع تكرار سياسات التهميش والإقصاء.
من جانبه، يرى المحامي رامي السقال، عضو تجمع المواطنة والسلم الأهلي في حمص، أن الرؤية التقليدية للمرحلة الانتقالية، التي تركز على القادة والتفاهمات السياسية، تتجاهل التحولات العميقة التي أحدثها النزاع في المجتمع السوري. ويوضح أن الحرب لم تعد مجرد خلاف سياسي قابل للحل عبر التفاوض، بل أصبحت عاملاً أعاد تشكيل علاقات السلطة والإنتاج والمصالح وشبكات الحماية على المستوى المحلي، ما يجعل المجتمع السوري اليوم مختلفاً جذرياً عما كان عليه قبل النزاع.
ويشير السقال إلى أن خصوصية تجربة حمص تمنح رؤيتها للمرحلة الانتقالية أهمية إضافية، فالمدينة شهدت تغيرات ديموغرافية وهيكلية واسعة، ولم يعد من الممكن التعامل معها بمنطق العودة إلى ما قبل الحرب، بل عبر ترتيبات سياسية تعترف بهذه التحولات وتستجيب لها. كما يؤكد أن إعادة بناء الثقة بين السوريين لا يمكن أن تقوم على افتراض وجود مجتمع متجانس، وإنما عبر الاعتراف بالتغيرات الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي أفرزها النزاع والعمل على معالجتها.
ويضيف أن العقد الاجتماعي الجديد يجب ألا يقتصر على نصوص دستورية أو تفاهمات سياسية، بل ينبغي أن يعكس التحولات التي طرأت على أنماط الملكية والعمل والهجرة والبنية الاقتصادية. فالحرب، بحسب السقال، لم تبدّل الخرائط السياسية فقط، وإنما أفرزت أيضاً فاعلين اجتماعيين واقتصاديين جدداً أصبحوا جزءاً من الواقع السوري، ولا يمكن تجاوزهم في أي ترتيبات مستقبلية.
اقرأ/ي أيضاً: حماة والتوترات المجتمعية… المصالحة المحلية بوابة لاستعادة السلم الأهلي
ويختتم السقال بالقول إن التحدي الأكبر أمام المرحلة الانتقالية يتمثل في بناء نظام سياسي قادر على استيعاب هذه التحولات، من دون أن يصطدم بالمصالح التي تشكلت خلال سنوات النزاع. فالتوافقات السياسية التي تُنجز داخل قاعات التفاوض لا تكفي وحدها لضمان الاستقرار، إذ تبقى قابليتها للاستمرار مرهونة بمدى قبولها مجتمعياً، وهي فجوة تزداد اتساعاً في سوريا بسبب غياب تجربة راسخة في التداول السلمي للسلطة.
وفي المحصلة، تبدو المرحلة الانتقالية في سوريا أكثر تعقيداً من كونها مجرد انتقال سياسي، إذ تفرض إعادة بناء الدولة على أسس مؤسسية جديدة تستجيب للتحولات التي شهدها المجتمع خلال سنوات الحرب. وتؤكد الرؤى المطروحة من أبناء حمص أن مستقبل سوريا لن يُبنى عبر الاتفاقات السياسية وحدها، وإنما من خلال صياغة عقد اجتماعي يعزز المواطنة، ويؤسس لمؤسسات قادرة على إدارة التنوع، وتحقيق العدالة، واحتواء التناقضات بعيداً عن منطق الإقصاء أو إعادة إنتاج أسباب الصراع.
سحر الحمصي- حمص








