تقف سوريا اليوم أمام مرحلة تختلف عن المراحل التي مرت بها خلال السنوات الماضية. فلم يعد المشهد محكوماً فقط بصراعات عسكرية أو رهانات على تسويات سياسية، بل بات يعكس أزمة أعمق تتمثل في التآكل التدريجي للعلاقة بين الدولة والمجتمع. ولم تعد الأزمة السورية تقتصر على بعدها السياسي أو الاقتصادي بمعناه الضيق، إذ لم يعد انهيار سعر صرف الليرة وارتفاع الأسعار سوى مظاهر لأزمة بنيوية تمس قدرة المجتمع على الاستمرار وإعادة إنتاج نفسه، في ظل تراجع دور الدولة في توفير الحماية والخدمات وتعاظم شعور السوريين بانسداد آفاق التغيير.
وفي هذا السياق، تؤكد الباحثة الاجتماعية والناشطة المدنية من مدينة حماة، نورا شيخ الزور، أن ما تشهده المحافظة اليوم يتجاوز حدود الأزمة الاقتصادية التقليدية، وتقول إن «ما نشهده ليس مجرد تراكم لأزمات معيشية عابرة، بل هو تآكل منهجي للنسيج الاجتماعي الذي حافظ على تماسك المحافظة لعقود». وتشير إلى أن حماة، بتاريخها النقابي والفلاحي، كانت تمثل نموذجاً للعلاقة المتكاملة بين الريف والمدينة، وبين الفلاح والحرفي، إلا أن هذه العلاقة تعرضت لتفكك واسع، ليس في حماة وحدها، وإنما في معظم المحافظات السورية.
اقرأ/ي أيضاً: المرحلة الانتقالية في سوريا… رؤية أهالي حمص لإعادة بناء الدولة
وتضيف أن انهيار قيمة الليرة لا يمكن النظر إليه بوصفه مؤشراً اقتصادياً مجرداً، بل هو انعكاس مباشر لعجز الفلاح عن شراء بذار الموسم المقبل، ولعدم قدرة العامل على تأمين احتياجات أسرته الأساسية، وهي صورة تتكرر بدرجات متفاوتة في مختلف المناطق السورية.
وترى شيخ الزور أن هذا الواقع الاقتصادي يرتبط بصورة وثيقة بحالة الانسداد السياسي التي تعيشها البلاد، موضحة أن هذا الانسداد يحمل بعدين متلازمين؛ الأول يتمثل في عجز السلطة المركزية في دمشق عن تقديم رؤية إصلاحية تحظى بالمصداقية، والثاني يتجسد محلياً في تحوّل المحافظات إلى ساحات تتنافس فيها شبكات الفساد، بما يحد من فرص التنمية ويقوض الثقة بالمؤسسات. وتقول إن ما يثير القلق لم يعد حجم الأزمة بحد ذاته، وإنما تحوّلها إلى حالة من الاستسلام الاجتماعي، مضيفة: «من خلال عملي كباحثة اجتماعية أرى أن الشاب الذي يغادر حماة اليوم، بعد سقوط نظام الأسد، لا يبحث فقط عن فرصة أفضل، بل يغادر لأنه يشعر بأن كل منافذ التغيير قد أغلقت أمامه». وتلفت إلى أن هذا الشعور باليأس ينعكس على العلاقات الاجتماعية والعائلية، إذ تتراجع الثقة بين الأجيال ويجد الآباء أنفسهم عاجزين عن تقديم تصور واقعي لأبنائهم حول المستقبل.
ورغم ذلك، ترى شيخ الزور أن الحراك المجتمعي لم ينعدم بالكامل، مشيرة إلى أن جلسات الحوار والنقاش التي تُعقد في حماة ما تزال ترفع مطالب وطنية عامة، وتقول إن «الصوت الحموي كان تاريخياً صوت الفلاح والعامل، لكنه اليوم يبدو مشتتاً». ومع ذلك، تعتقد أن مبادرات التكافل المجتمعي، على محدوديتها، تمثل نواة يمكن البناء عليها للحفاظ على تماسك المجتمع إلى حين توافر فرصة حقيقية لإطلاق إصلاح سياسي شامل.
من جانبه، يرى المحامي عمر الدروبي أن الأزمة السورية يجب أن تُقرأ من زاوية مؤسساتية، معتبراً أن ما شهدته حماة، كما غيرها من المحافظات، هو تفكيك تدريجي لآليات الإدارة المحلية الفاعلة. ويوضح أن المجالس المحلية التي كان يمكن أن تؤدي دور الوسيط بين السلطة المركزية والمجتمع المحلي، تحولت إلى مؤسسات تفتقر إلى الصلاحيات المالية والإدارية، الأمر الذي عمّق حالة الفراغ المؤسسي وأضعف قدرة المجتمعات المحلية على التعامل مع تحدياتها.
ويؤكد الدروبي أن الحديث عن انسداد الإصلاح لا يرتبط فقط بغياب البرامج الاقتصادية، وإنما بمنظومة سياسية تعتبر أي إصلاح حقيقي تهديداً لموازين القوى القائمة. ويقول إن «الإصلاح السياسي في سوريا لا يقتصر على تعديل الدستور أو إطلاق سراح المعتقلين، بل يعني إعادة توزيع السلطة والموارد، وهو ما يجعله، في نظر النخبة الحاكمة، أمراً غير قابل للتفاوض». ويضيف أن هذا الانسداد لا يقتصر على المركز، بل يمتد إلى المحافظات التي تحولت فيها الإدارات المحلية إلى أدوات لتنفيذ سياسات مركزية، دون امتلاك صلاحيات تمكّنها من الاستجابة لخصوصية كل منطقة.
اقرأ/ي أيضاً: اللاذقية والسلم المجتمعي.. إدارة التنوع ركيزة لاستقرار سوريا
ويشدد الدروبي على أن جوهر الأزمة يتمثل في غياب الإرادة السياسية لإطلاق عملية إصلاح تستند إلى شراكة حقيقية مع المجتمع، مؤكداً أن المطلوب لا يقتصر على برامج إغاثية مؤقتة، بل يتطلب إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن على أسس جديدة، تنطلق من الاعتراف بأن ما تواجهه سوريا هو أزمة حوكمة عميقة وليست أزمة مالية فحسب. ويرى أن حماة، بما تمتلكه من إرث اجتماعي ونقابي، يمكن أن تشكل نموذجاً لهذه العملية إذا توفرت إرادة سياسية تكسر نمط الإدارة القائم.
ويختتم الدروبي بالقول إن الأزمة التي تعيشها سوريا اليوم، وتمثل حماة إحدى صورها، تتجاوز حدود التراجع الاقتصادي إلى أزمة بنيوية تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع في ظل الفوضى المؤسسية والتفكك الاجتماعي.
وفي المحصلة، تبدو الأزمة السورية أبعد من أن تكون أزمة عابرة أو قابلة للمعالجة بإجراءات جزئية أو إصلاحات شكلية. فهي أزمة تراكمت فيها الاختلالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية حتى أصبحت تمس بنية الدولة والمجتمع معاً. ولم يعد التحدي مقتصراً على استعادة الاستقرار الاقتصادي، بل بات يرتبط بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، وصياغة عقد سياسي جديد يقوم على المشاركة والحوكمة الرشيدة، بما يفتح المجال أمام استعادة المعنى الوطني وإطلاق مسار إصلاح حقيقي يضمن مستقبلاً أكثر استقراراً للسوريين.
ضياء العاصي- حماة








