يأتي المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 بوصفه محطة مفصلية في مسار تشكّل الدولة السورية الجديدة، متجاوزاً كونه إجراءً إدارياً مؤقتاً إلى كونه إشارة سياسية عميقة الدلالة في اتجاه إعادة بناء مفهوم المواطنة على أسس المساواة والشراكة. فالمرسوم يعيد صياغة العلاقة بين الدولة والشعب الكردي باعتبارها علاقة مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، وينقل القضية الكردية من إطارها العرقي الضيق إلى فضاء وطني جامع، ما يجعله خطوة تمهيدية نحو دستور يعترف بالتعدد الثقافي واللغوي ويحميه. وفي ظل مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، يبرز المرسوم كأداة للتصالح الوطني وبناء الثقة الداخلية والحد من فرص التدخلات الخارجية، مع التأكيد على أنه يظل خطوة أولى تحتاج إلى تثبيت دستوري وآليات تنفيذية واضحة وفاعلة.
خبير العلاقات العامة والإعلام هيثم سكاف من مدينة اللاذقية، يرى أن المرسوم رقم 13 لعام 2026 يشكل خطوة استراتيجية حاسمة في مسار بناء الدولة السورية الحديثة، كونه يعزز مبادئ المواطنة الكاملة والمساواة بين جميع مكونات الشعب السوري، ولا سيما الكرد الذين يشكلون جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني. ويؤكد سكاف أن هذا المرسوم لم يكن مكرمة من السلطة، بل جاء نتيجة نضال طويل خاضه الكرد في سوريا وفرضوا من خلاله رؤيتهم ومشروعهم الوطني، بوصف هذه الحقوق حقاً وطنياً لا يقبل المساومة.
اقرأ/ي أيضاً: اتفاق 10 آذار بين دمشق وقسد: خطوة نحو اللامركزية والاستقرار السياسي في سوريا
ويشدد سكاف على ضرورة وضع المرسوم في سياقه الوطني الأشمل، معتبراً أن قيمته الحقيقية لا تكتمل ما لم يُترجم في الدستور السوري المقبل عبر نصوص صريحة وملزمة تحمي التنوع الثقافي واللغوي لجميع المكونات. ويركز في هذا السياق على الكرد كمكون أساسي يمتلك حقاً مشروعاً في إحياء تراثه وتطوير لغته الأم داخل سوريا، موضحاً أن هذا التثبيت الدستوري يمثل ضرورة وطنية لتعزيز التماسك الاجتماعي ومنع استغلال الانقسامات الداخلية من قبل أطراف خارجية، كما يحوّل القضية الكردية من عامل توتر إلى ركيزة استقرار، ويمهّد لشراكة حقيقية في الحكم خلال المرحلة الانتقالية.
ويرى سكاف أن المرسوم 13 يشكل نقلة تاريخية من خلال إنهاء مظاهر التهميش السابقة، ومنح الجنسية الكاملة للمواطنين الكرد، بمن فيهم مكتومو القيد، إضافة إلى الاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية وإقرار عيد النوروز عطلة رسمية. ويعتبر أن هذه الإجراءات ضرورية في السياق الوطني العام، لأنها تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والكرد كشراكة متساوية دون المساس بوحدة البلاد. غير أنه يؤكد في الوقت نفسه أن المرسوم سيبقى غير مكتمل سياسياً وثقافياً واجتماعياً إذا لم تتبعه سياسات وطنية جامعة وتشاركية تشمل الكرد وبقية المكونات السورية، مشيراً إلى أن الترحيب الواسع الذي أبداه كثير من الكرد السوريين يقابله تحفظ مشروع يتعلق بغياب آليات تنفيذية واضحة.
ويختم سكاف حديثه بالتأكيد على أن المرسوم جزء من مسار وطني أوسع يجب أن يشمل إعادة بناء الروابط الاجتماعية وتعزيز هوية وطنية متعددة، تمهيداً لدستور يكرّس مبدأ التشاركية في دولة لا مركزية. ويرى أن حل القضية الكردية في هذه المرحلة يمثل أولوية قصوى لتعزيز الاستقرار الداخلي ومقاومة التدخلات الخارجية، داعياً إلى الترويج للمرسوم ضمن إطار ميثاق وطني واضح ترتبط به مسارات سياسية تحمي حقوق جميع المكونات السورية.
من جهتها، ترى الباحثة السياسية والناشطة المدنية عفراء درويش من جبلة أن المرسوم 13 يمثل خطوة إيجابية باتجاه وحدة وطنية تحترم التنوع، إلا أنه غير كافٍ في السياق السوري الراهن، ما لم تُستكمل هذه الخطوة بإجراءات سياسية واضحة تحافظ على هوية المكونات المختلفة في البلاد. وتؤكد درويش أن الدستور السوري المقبل يشكل الفرصة الذهبية لتثبيت حقوق جميع المكونات بشكل نهائي وغير قابل للتراجع، معتبرة أن الدستور ليس مجرد وثيقة قانونية، بل الضمانة الأساسية لوحدة وطنية راسخة في بلد متنوع عرقياً ولغوياً وثقافياً.
اقرأ/ي أيضاً: الانحراف الديمقراطي في الانتخابات البرلمانية بين التعيين والتزكية
وتوضح درويش أن التركيز على حقوق الكرد يجب أن يكون باعتبارهم مكوناً أساسياً، لا كامتياز مؤقت فرضته الظروف السياسية أو الأمنية، بل كحق مشروع يعزز تماسك الدولة الوطنية. وتحذر من أن تجاهل هذه الحقوق يفتح الباب أمام الانقسامات، في حين أن تثبيتها دستورياً يسهم في بناء جسور الثقة بين السوريين. وترى أن المرسوم 13 يشكل بوابة أولى لمعالجة قضية وطنية بامتياز، وأن حسمها يمثل أولوية في هذه المرحلة الانتقالية لما لها من دور في منع تفاقم التوترات وفتح آفاق الشراكة الحقيقية دون إلغاء الهويات.
وتشدد درويش على أن هذه الخطوة، رغم أهميتها، تحتاج إلى مسار وطني منظم وشامل، يقوم على حوار جاد يفضي إلى دستور يضمن الحقوق الثقافية واللغوية والإدارية لجميع المكونات، مع الحفاظ على مفهوم الدولة الوطنية الجامعة. وتستعين في ذلك بتشبيه رمزي، إذ تقول إن سوريا تشبه شجرة واحدة جذورها وطنية مشتركة، فيما تمثل فروعها المتنوعة هويات السوريين، وأي مساس بأحد الفروع يضعف الشجرة بأكملها.
في الخلاصة، لا يمكن النظر إلى المرسوم 13 بوصفه إصلاحاً انتقالياً عابراً، بل كنقطة تحول يجب استثمارها وطنياً لتحويل التوتر إلى شراكة، والتهميش إلى اعتراف بالتنوع كقوة وطنية. ويظل تكريسه دستورياً عبر حوار شامل ضرورة لا غنى عنها لبناء سوريا لا مركزية قوية، تستند إلى جذور وطنية واحدة وتحتضن تنوعها بوصفه مصدر غنى واستقرار، بما يمهّد لعهد جديد من العدالة والتشاركية واستعادة الثقة بين الدولة ومواطنيها.
معن جبلاوي – اللاذقية









