يقدّم السياسي السوري عبدالرزاق حاج محمد رؤية نقدية للمشهد السوري الراهن، مؤكداً أن سقوط النظام البعثي لم يكن كافياً لفتح الطريق أمام بناء دولة معافاة، وأن البلاد ما تزال أسيرة أزمات متلاحقة عمّقت الشرخ وأبعدت السوريين عن الاستقرار المنشود. وبرغم قتامة الصورة، يركز حاج محمد على وجود فرصة حقيقية للإنقاذ إذا توفرت الإرادة الوطنية لبناء عقد اجتماعي جديد يقوم على التشاركية والديمقراطية.
سوريا المفقودة بعد سقوط النظام
يقول حاج محمد:
«لقد سقط النظام البعثي وأصبح ماضياً، ولكن سوريا لا تزال مفقودة ونحن نبحث عنها. كنا نطمح ولا نزال أن تدخل سوريا فترة الحكم الانتقالي الذي سيقود لبناء بلد صحيحة معافاة تسير نحو الاستقرار، لكن ذلك لم يحصل، وللأسف انتقلنا من أزمات إلى أزمات أخرى متكررة أو مستمرة أو مشابهة أو أكثر ضراوة مما سبق».
بلد مثقل بالأزمات… والأمل لم ينطفئ
ويشير إلى أن ما تعيشه البلاد اليوم هو نتاج مباشر لسياسات لا تناسب المرحلة، قائلاً:
«البلد كما يقول المثل على كف عفريت، مثقلة بالأزمات الناتجة عن سياسات خاطئة لا تناسب المرحلة الصعبة. إلا أنني أشعر بقليل من الاطمئنان، كوني أرى أن شطراً من سوريا وربما أكثر لا يزال مصمماً على تعديل كفة الميزان باتجاه الديمقراطية… يعني باختصار: الأمل كبير، ولم نفقد الأمل بالبلد المعافاة التي ننشدها».
تعنت السلطة… وسياسات أغلقت أبواب الحل
ويتحدث حاج محمد عن بدايات حملت شيئاً من التفاؤل قبل أن يتبدد، قائلاً:
«كنا نحمل الكثير من الأمل في البداية، رغم أنه كان أمل المكابرة، لكن سرعان ما بدأ هذا الأمل يجف بعد أن رأينا تلك السياسات الخاطئة التي مارستها الحكومة. الأكثر إيلاماً هو التعنت ورفض النصح والتشارك في البناء».
ويضيف:
«اعتمدت الحكومة على ولاء المقربين منها والراغبين في الحلول مكان أعمدة السلطة الماضية، وهذا أبعدها أكثر عن مسار التشاركية. وبالغت بسياساتها الخاطئة رغم نتائجها السلبية، مثل المجازر والانتهاكات بحق مكونات واسعة من الشعب السوري. المطلوب اليوم الاعتراف بالأخطاء والتراجع عنها والجلوس مع الفرقاء السوريين لبناء عقد اجتماعي مبدئي… أما الآن، فالوضع لن يُحمد عقباه».
حاجة إلى بداية جديدة تعيد القرار للسوريين
ويؤكد حاج محمد أن إصلاح الوضع السوري يتطلب نقطة انطلاق جديدة بالكامل، موضحاً:
«كما أسلفت، ما سبق لم يكن جيداً، ولذلك لا بد من بداية جديدة كلياً تهدف إلى الإصلاح. كل تلك التدخلات الدولية هي نتيجة سياسات خاطئة. أصبحت الحكومة مجرد قشة تطير بأي اتجاه دولي عارض».
وتابع قائلاً:
«لو كانت البداية من صياغة عقد اجتماعي حقيقي، لكان ملف السلم الأهلي خلف ظهورنا، ولما استطاعت الدول التدخل في الشأن السوري. سوريا الآن ترزح تحت وطأة نفس المشاريع التي كانت مهيمنة أيام بشار الأسد… يعني كأنك يا أبو زيد ما غزيت. الخطوة الصحيحة هي التصالح مع الشعب، كل الشعب، والتفاهم مع الفرقاء السوريين وبناء الديمقراطية الحقيقية، والابتعاد عن المشاريع الإقليمية التي لا تجلب إلا الدمار».
الفيدرالية… خيار الضرورة ومسار الدولة الحديثة
ويختتم السياسي السوري حديثه بالتأكيد على أن الفيدرالية باتت اليوم الحل الأكثر واقعية:
«ذهبت تلك الأيام التي كنا نتحدث فيها عن جمالية وروعة البناء الفيدرالي الحديث الذي يناسب سوريا، وأصبحت الآن الفيدرالية هي المخرج الوحيد والمنقذ الأكثر وثوقاً للمعضلة السورية. وأنا أرى أنها الأنسب للبلد حتى لو لم تكن هناك أزمات».
ويشرح أسباب رفض السلطات لهذا النموذج:
«للأسف، لا تزال السلطات ترى الفيدرالية مرادفاً للتقسيم رغم عدم وجود مثال واحد في العالم يثبت ذلك. السلطات التي حكمت سوريا كلها ديكتاتورية تهتم بالسلطة المطلقة، ولذلك تجد صعباً عليها تقبل دولة تشاركية عصرية يقوم فيها كل طرف بدوره».
ويضيف:
«مهما استمرت الأزمات وطالت، فلا بد أن نعود للتفاهم والقبول بالمثلث الذهبي (الديمقراطية – العلمانية – الفيدرالية). لا نزال نملك الفرصة، لكن ليس لنا إلا طريق خلاص واحد… إنه طريق التشاركية التي تعتمد على كفاءة الإنسان، وليس على انتمائه العرقي أو الديني».









