تعيش محافظة درعا، التي انطلقت منها شرارة الثورة السورية، مرحلة مفصلية وحساسة من تاريخها المعاصر، تتداخل فيها التحديات السياسية والأمنية والاجتماعية على نحو يهدد مستقبل المحافظة ويضع أبناءها أمام خيارات معقدة. ومع تصاعد التوترات الأمنية وتكرار الحوادث التي تمس الحياة اليومية للسكان، فقدت شريحة واسعة من الأهالي ثقتها بأي مشروع أمني أو سياسي لا يقوم على أسس السلم الأهلي والعدالة. في هذا السياق، لم يعد السلم الأهلي خياراً نظرياً أو شعاراً عاماً، بل غدا مطلباً أساسياً وشرطاً لا غنى عنه لأي مسار يهدف إلى الاستقرار أو إعادة البناء.
يرى وجهاء المحافظة أن السلم الأهلي يمثل الأساس الحقيقي لبناء سوريا المستقبل، وفي هذا الإطار يؤكد عبد الجليل المصري، أحد وجهاء محافظة درعا، أنه «لا يمكن الحديث عن الأمن والاستقرار دون أن يكون السلم الأهلي هو القاعدة التي نبني عليها مستقبلنا». ويضيف أن الوجهاء والأعيان يؤمنون بأن التعايش والتفاهم بين جميع العشائر والمكونات المحلية هو السبيل الوحيد لحماية الأبناء وتحصين المحافظة من أي توتر أو اقتتال داخلي قد يعصف بنسيجها الاجتماعي.
ويشدد المصري على أن السلم الأهلي في درعا ليس مجرد خطاب يُرفع في المناسبات، بل ممارسة يومية يسعى الوجهاء إلى ترسيخها عبر اللقاءات الدورية وحل الخلافات المحلية بالحوار، وتعزيز قيم التكافل والمسؤولية المشتركة بين أبناء المحافظة. ويقول في هذا السياق إنهم «يدعون الجميع، دون استثناء، إلى تغليب لغة العقل والحكمة، والابتعاد عن أي ممارسات تهدد وحدة المجتمع أو تعمق الانقسام بين الناس».
اقرأ/ي أيضاً: حمص بين هواجس المركزية ورهان اللامركزية في مسار سوريا الجديدة
وعلى مستوى المحافظة ككل، يوضح المصري أن استعادة الأمن في درعا تتطلب جهداً جماعياً يقوم على وحدة الصف وتكامل الأدوار في مواجهة التحديات القائمة. فالأمن، وفق رأيه، لا يتحقق إلا من خلال ضبط السلاح، ودعم مؤسسات الدولة، وتعزيز مسارات التنمية في المدينة والريف على حد سواء. ويؤكد أن «من دون السلم الأهلي لن يتحقق الأمن، ولن تعود الحياة إلى طبيعتها، ولن نتمكن من بناء مستقبل آمن ومستقر لأجيالنا القادمة»، معتبراً أن السلم الأهلي في درعا بات ضرورة تفرضها طبيعة الواقع المتشابك للمحافظة، حيث لا يمكن تجاوز التحديات السياسية والأمنية والاجتماعية إلا بالحوار والتفاهم بين مختلف المكونات المحلية.
ولا يخفي المصري قلقه من الواقع الراهن، مشيراً إلى أن أبرز التحديات التي تعترض مسار السلم الأهلي تتمثل في انتشار السلاح غير الشرعي، ووجود فصائل خارجة عن سيطرة الدولة، الأمر الذي أسهم في خلق حالة من الاحتقان الاجتماعي وعدم الاستقرار. كما أن تردي الأوضاع الاقتصادية فاقم من حدة التوترات، ودفع بعض الأفراد إلى ممارسات تهدد السلم المجتمعي، مثل السرقات والاعتداءات. ومن هنا، يدعو المصري إلى تفعيل لجان السلم الأهلي في عموم المحافظة، ودعم جهود المصالحة، وتوسيع مشاركة المجتمع المحلي في صنع القرار، وضمان العدالة في توزيع الموارد والفرص، مع التشديد على أهمية تعزيز ثقافة المواطنة والتعايش ونبذ خطاب الكراهية، لأن درعا، كما يقول، «بحاجة إلى مشروع وطني جامع يعيد بناء الثقة بين أبنائها».
ويختم المصري حديثه بالتأكيد على أن «السلم الأهلي في درعا هو الأساس الذي نبني عليه مستقبلنا، وهو السبيل الوحيد لاستعادة الأمن والاستقرار وضمان عودة الحياة الطبيعية، ليس لأبناء المحافظة فحسب، بل لسوريا عموماً».
من جانبه، يرى الخبير في مجال فض النزاعات الدكتور محمد الغانم، من محافظة درعا، أن السلم الأهلي أصبح اليوم ضرورة حتمية وركيزة أساسية لإعادة بناء الدولة على قاعدة الأمن والاستقرار. ويؤكد أن غياب تفاهمات محلية تضمن احترام حقوق جميع أهالي المحافظة سيُبقي درعا عرضة لتوترات أمنية ذات تأثيرات سلبية واسعة. ويقول الغانم إن «بناء قاعدة سلمية متينة يتطلب حواراً شاملاً يضم الجميع، ويوفر مساحات للثقة، ويعزز مفاهيم المواطنة والعدالة».
اقرأ/ي أيضاً: عام على سقوط النظام.. مرحلة انتقالية مضطربة تبحث عن ملامح الدولة الجديدة
ويضيف الغانم أن استعادة الأمن تمر عبر معالجة أسباب النزاع، وفي مقدمتها نزع السلاح غير الشرعي، وتقوية دور المؤسسات الأمنية والمدنية المحلية، ورفع مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية بما يخفف من دوافع العنف. ويعتبر أن السلم الأهلي يمثل نقطة الانطلاق نحو درعا آمنة ومستقرة، وقادرة على الإسهام في بناء سوريا موحدة قائمة على حقوق المواطنة والعدالة الاجتماعية.
ويشير الغانم إلى أن المحافظة تواجه تحديات أمنية متعددة الأبعاد، أبرزها انعدام الثقة بين الفصائل المحلية المسلحة، مؤكداً أنه لا يمكن فصل ملف الأمن عن السلم الأهلي، لأن التعايش والتفاهم يشكلان حجر الزاوية في استقرار درعا واستعادة هيبة الدولة. ويخلص إلى أن «السلم الأهلي ليس مجرد غياب للصراع، بل هو عملية بناء مجتمع يحترم التنوع، ويرسخ ثقافة المشاركة، ويضمن العدالة والتنمية لجميع أبناء درعا، ليكون نموذجاً يُحتذى به في عموم سوريا».
في المحصلة، يبدو أن استعادة الأمن والاستقرار في درعا تظل رهناً بمعالجة جذور الأزمات التي تعصف بالمحافظة، بدءاً من نزع السلاح غير الشرعي، وصولاً إلى بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة والمواطنة والمشاركة. وعندما تصبح المصالحة الحقيقية أولوية، وتُبنى مؤسسات الدولة على أسس الشفافية والمساءلة، وتُعالج المظالم وتُعاد الحقوق، يمكن لدرعا أن تستعيد دورها كنموذج للاستقرار والسلم الأهلي في سوريا.
هيثم الحوراني- درعا









