بعد عام كامل على سقوط نظام الأسد، تبرز محافظة حمص بوصفها إحدى النقاط المفصلية في مسار سوريا الجديدة، حيث تتقاطع الآمال بالتغيير مع هواجس عميقة فرضتها تحديات أمنية وسياسية لم تُحسم بعد. هذا الواقع يعكس مشاعر شريحة واسعة من أهالي المحافظة الذين عانوا لعقود من هيمنة مركزية خانقة ومنظومات فساد متجذّرة، ما عزّز القلق من إعادة إنتاج أنماط الحكم السابقة في غياب ضمانات واضحة لبناء دولة مدنية عادلة. عند هذه المفترق، تطرح اللامركزية بوصفها خياراً استراتيجياً يتجاوز الطابع الإداري، لتغدو مدخلاً لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتفكيك مراكز القوة التي غذّت التمييز والعنف الطائفي.
في هذا السياق، يؤكد رائد شباط، الناشط السياسي من مدينة حمص، أن مرور عام على سقوط النظام لم يبدّد مخاوف الأهالي من تكرار الأخطاء السابقة، ولا سيما مع استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني في عموم المحافظة. ويشير إلى أن غياب الضمانات الحقيقية لبناء دولة مدنية عادلة يفرض مقاربة مختلفة للمرحلة المقبلة، قوامها تطبيق فعلي للامركزية يمنح المحافظات، ومنها حمص، صلاحيات أوسع في إدارة شؤونها المحلية. ويقول شباط إن هذه الصلاحيات يجب أن تُمارس عبر لجان محلية منتخبة، قادرة على تعزيز الشفافية والمساواة، ومحاربة الفساد الذي نشأ وتغذّى على النظام المركزي.
اقرأ/ي أيضاً: عام على سقوط النظام.. مرحلة انتقالية مضطربة تبحث عن ملامح الدولة الجديدة
ويضيف شباط أن المخاوف لا تقتصر على الجوانب الإدارية، بل تمتد إلى احتمال عودة نمط الحكم الأمني وما يرافقه من فساد، في ظل غياب آليات رقابة حقيقية على الحكومة المؤقتة، كما يحذّر من تفاقم مظاهر العنف الطائفي والتمييز، خاصة مع تكرار حوادث أمنية تهدد السلم الأهلي داخل المدينة. ويرى أن هذا الواقع يجعل من مشاركة جميع مكونات المجتمع في صنع القرار ضرورة لا غنى عنها، ويؤكد أهمية تفادي إقصاء أي فئة أو طائفة، لما لذلك من أثر مباشر على الاستقرار الاجتماعي.
وعن رؤيته للمرحلة المقبلة، يقول شباط إن “المرحلة القادمة تتطلب تحويل قوى الأمر الواقع إلى أطراف سياسية ملتزمة بمشروع وطني جامع، لا الاكتفاء بدور الهيمنة العسكرية أو الأمنية”. ويشدد على أن اللامركزية “ليست مطلباً طائفياً، بل ضرورة وطنية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ولتفكيك مراكز القوة المركزية التي كانت سبباً رئيسياً في الفساد والتمييز”. وفي هذا الإطار، يدعو إلى تشكيل لجان محلية في حمص تضم ممثلين عن جميع المكونات، وتُمنح صلاحيات حقيقية في إدارة الخدمات والتعليم والصحة والأمن المحلي.
ويختم شباط بالقول إن مستقبل محافظة حمص “مرهون بقدرة القوى السياسية الجديدة على تطبيق اللامركزية بشكل جدي، وضمان مشاركة واسعة للمجتمع المحلي في صنع القرار، إلى جانب مراقبة مستمرة تحول دون تكرار ممارسات الماضي”.
من جهته، يتحدث الباحث السياسي سعدالله إلياس، وهو أيضاً من مدينة حمص، عن هواجسه بعد عام على سقوط النظام، مشيراً إلى أن الخوف من عودة نمط الحكم المركزي لا يزال قائماً. ويقول إن القرارات الأمنية والسياسية العليا ما زالت تُدار من دمشق، رغم الحديث المتكرر عن لامركزية إدارية تمنح المحافظات هامشاً في إدارة شؤونها التنموية والمالية. ويرى إلياس أن هذه الخطوة، على أهميتها، تبقى غير كافية ما لم تُرفق بضمانات حقيقية لاستقلال المجالس المحلية، وشفافية واضحة في توزيع الصلاحيات، مع إبعاد الأجهزة الأمنية عن التدخل في الشؤون المحلية.
اقرأ/ي أيضاً: إدلب بعد عام على سقوط النظام: أولويات الاستقرار وبناء الدولة
ويشدد إلياس على أن اللامركزية المطلوبة يجب أن تتجاوز الإطار الشكلي، لتصل إلى منح المحافظات صلاحيات فعلية في تقرير سياساتها المحلية، بما يشمل التعليم والخدمات والتنمية الاقتصادية. ويحذّر من أن أي نموذج يُطرح دون أسس قانونية جديدة قد يفتح الباب أمام عودة الفساد أو إعادة إنتاج المركزية بصيغ مختلفة. ويرى أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق توازن دقيق بين الاستقلال المحلي ووحدة الدولة، بما يحفظ السيادة الوطنية ويمنع التفكك.
وفي السياق ذاته، يعتبر إلياس أن نجاح تجربة اللامركزية في حمص يتطلب مشاركة واسعة وفاعلة للمجتمع المدني، وانتخاب مجالس محلية تعبّر عن مختلف مكونات المحافظة، إلى جانب وجود آليات مراقبة مستقلة قادرة على محاسبة الأداء ومنع الانزلاق مجدداً إلى ممارسات الماضي. ويخلص إلى أن مستقبل حمص يكمن في بناء نموذج للحكم المحلي يضمن الشفافية والعدالة، ويقطع الطريق أمام عودة الهيمنة المركزية أو الأمنية، ويعزز دور الأهالي في صناعة القرار.
وبين هاتين الرؤيتين، تتضح ملامح التحديات والتطلعات التي تواجه حمص وسوريا عموماً بعد عام على سقوط النظام. فالإجماع بين أبناء المدينة وخبرائها يكاد ينحصر حول حقيقة أن اللامركزية تشكل خطوة محورية نحو بناء دولة مدنية عادلة، تضمن مشاركة حقيقية لجميع السوريين في صنع القرار، وتفكك مراكز القوة التي ألحقت أضراراً جسيمة بالمجتمع السوري على مدى عقود. ومع استمرار الهواجس من عودة النمط الأمني، تبقى الحاجة ملحة إلى ترسيخ استقلال المجالس المحلية، وضمان شفافية توزيع الصلاحيات، وإرساء منظومة رقابة مستقلة قادرة على حماية مسار التغيير ومنع تكرار أخطاء الماضي.
سحر الحمصي- حمص









