مجلس سوريا الديمقراطية

عفرين بين اليوم والأمس

بقلم: سينم محمد

الاحتلال يمثّل اغتصاباً للحقوق .. ويُعيد تشكيل المنظومة الاجتماعية للمنطقة المحتلّة بحسب توجُّهاته السياسيّة وتطلّعاته المستقبليّة .. ويعمل على محوِ الهويّة الثقافيّة والثوابت الفكريّة الاجتماعيّة السائدة قبل دخوله ,ويركّز بشكلٍ أساسيّ على الجيل الناشيء. فيفرض المحتلُّ ثقافته من خلالِ المدارسِ والمناهج التربويّة على الجيلِ الناشِيء فيزرَعُ بداخلهِ بذوره لتكبُر معه .. وينقل عادات اجتماعية جديدة تهدفُ لهدمِ ما كانَ عليه المجتمع سابقاً .. ويحكمُ بيدٍ من حديد ولهجة تهديد، فتفزعُ فئاتٌ كبيرةٌ من المجتمع لتجبرهُ على المغادرة والانتقال لخارج المنطقة .. وبذلك يتيح المجال لعمل تغيير ديمغرافي مُمنهج يهدف إلى إحداث توازنٍ داخليٍ لتسهيلِ التحكّم بالبلاد والعباد .

أنَّ ما حدث في عفرين المُحتلّة ليس فقط مجرّد احتلال وإنما أكبر عمليّة تهجير قسريّ وتغيير ديمغرافي في الألفيّة الثانية .. عداكَ عن عمليّاتِ سرقةٍ شاملةٍ طالت كلَّ عفرين ومازالت مستمرّة لتاريخ اليوم .. لقد كانت منطقةُ عفرين رمزاً للتسامح الديني والتعايش القومي ومضرب مثل في إغاثةِ واحتضان الملهوف من كلِّ أنحاء سوريا.
عفرين بصبغتها الكُرديّة العامّة والأعداد القليلة من أبناء المكوّن العربي الذي ذاب أساساً في طيّات كُرديتها بحكمِ المصاهرة، لم تشهد تمييزاً عنصرياً كما تشهده الآن .. عفرين التي كانت تجتمع فيها عِدَّةُ طوائف دينيّة ..حيث الأغلبية السنيّة مع وجود بعض العلويين والإيزيديين والمسيحيين، ما كانت إلا مثالاً للتعايش الديني .. فالمساجد والكنائس ومقامات العلويين وأعياد الإيزديين وقبور الصالحين لم تكن يوماً لتشهد هذا التمييز قبل الاحتلال التركيّ ومرتزقته لعفرين .. عفرين التي احتصنت السوريين من كافةِ أنحاء سوريا ..لجأوا إليها في الأزمة هرباً من الدمار والنار .. واستقبلتهم عفرين بكلِّ ودٍّ .. فعاشوا سنوات آمنة في ظلِّ زيتونها وعملوا فيها واقتاتوا من رزقها، ليست كما عفرين اليوم التي تمّ تغيير كلِّ ما فيها وتحويلها إلى مجرّد مدينة يعيث بها الإرهابيون فساداً .. مدينة لا تحكمها القوانيين وإنّما تحكمها العصابات .. مدينة قام العدو بتتريك مدارسها وتشويه تاريخها واستبدال سكّانها واستباحة أملاكها واختطاف شبابها والتعدي على نسائها .. فماذا بقي من عفرين؟ !!!
إنَّ هذه السياسات يتمّ تطبيقها بشكلٍ ممنهج ليس في عفرين فقط وإنما في جميع مناطقنا المحتلة ..ففي رأس العين أيضاً يتمُّ تطبيق هذه السياسات، وحتى مدينة تل أبيض المحتلة لم تشفع لها عروبتها.
لا تزال الدولة التركية تعيش في عقلية القرون الماضية فتُعلن الحرب وتحتلّ المدن والأراضي وتنتهك القانون الدولي وتهتك بالبشر ..فالسياسة التركية تعيش في ماضيها، ولم تتطور ولا تستطيع أنْ تتطور لتبحث عن الحلول السياسية بالحوار واستخدام الدبلوماسية كما في سياسات العصر الحديث، وإنما تُفضّل الأساليب العثمانيّة وكأنّها بعيدة عن تطورات السياسة العالمية والتي ترفض احتلال دولة من قبل أخرى وانتهاك حقوقها.

تقوم الفصائل الراديكالية التابعة لتركيا والمدعومة منها عسكرياً ولوجستياً بالسيطرة على مناطق عفرين الكُرديّة، والتي لم تكن في يوم من الأيام مصدر تهديد لتركيا أساساً لكنها كانت نموذجاً للتعايش السلمي بين جميع مكوّنات سوريا .. ومثالاً للتعايش الديني والقومي .. ونموذجاً امتدحه العديد من الصحفيين الغربيين الذين زاروا عفرين واطّلعوا على واقعها .. فمفهوم تحرّر المرأة كان متجسِّداً في عفرين ..فقد كان لها دور ريادي في إدراة المنطقة جنباً إلى جنب مع الرجل وكان لها الدور الأبرز في التأثير على المجتمع وتطوره .. والحريات الدينية كانت على قدر المساواة مع التعايش الديني .. ففيها من المسيحيين والعلويين والإيزيديين والمسلمين السّنة جميع هؤلاء كانوا يتمتعون بحرية ممارسة شعائرهم دون أي تمييز أو تفضيل .. ولم تقتصر الحكومة المدنية التي كانت تسيّر أمور المنطقة على أبنائها من عرب وكُرد بل شملت أشخاصاً كانوا من خارج المنطقة أساساً وذلك كشكلٍ من أشكال مشاركة كافة المقيمين في عفرين في إدارة شؤونها ..
الآن تغيّر كلّ شيء .. فقد تمّ نهب المنطقة بشكلٍ كامل.. وتقيّدت الحريّات الدينية تماماً .. وأصبح التعايش الديني أمراً شبه معدوم .. وبات الخطف والمطالبة بالفدية والقتل أمراً اعتيادياً .. وأصبحت اللغة التركية لغة ًرسميّة في المدارس .. وباتت تحية العلم الصباحية لعلم الاحتلال التركي.. وأمست المنطقة كلّها تحت إمرة اللجان الأمنية والفصائل الراديكالية المتطرفة .. وتنفيذ التغيير الديموغرافي هو أخطر ما يقومون به الآن .. شتّان أنْ نقارن بين عفرين الأمس واليوم، وبين تل أبيض ورأس العين سابقاً والآن .. جميع مناطقنا المحتلّة تحت نفس السياسة .. وإذا قارنا بين “مناطق درع الفرات” وما تمّ احتلاله من مناطقنا مؤخَّراً، لوجدنا فرقاً شاسعاً تماماً .. بين حريّة يتمتع بها الفرد وخدمات تقدَّم للمواطنين وأمان ثمنه غال, وبين مناطق تديرها عصابات متطرفة باتت بؤرة للفساد تنعدم فيها الحريات والخدمات ينعدم فيها الأمن والأمان .. المستعمر دوماً يقوم بتشويه التاريخ عن طريق سلب المخزون التاريخي والثقافي للأرض المحتلة بغرض طمس الإرث الحضاري والتاريخي لها .. وبذلك يطمس هويتها .. فلم تسلم آثار عفرين وتل أبيض ورأس العين من عمليات نهب للآثار ..بل أيضاً قاموا بالتنقيب عنها وإخراجها وتهريبها إلى تركيا .. إنَّ طمسَ التاريخ هو جريمة بحدّ ذاته, يهدف لطمس الهوية الحقيقة للمنطقة ..جميع هذه الممارسات تعد جريمة بحق شعوب المنطقة التي تفترش العراء وتعيش في المخيمات بمناطق الشهباء والتي تتطلع يومياً بأنظارها إلى عفرين منتظرة العودة بفارغ الصبر .. لا يسعنا إلا أن نشدَّ على أيادي شعبنا المقاوم والذي له الحقّ المشروع في المقاومة من أجل إعادة حقّه المغتصب بكلِّ السُبل ونطالب الجهات الدولية بالتكافلِ معنا لإعادة أهلنا ومغادرة المحتلّ للأراضي التي استولى عليها وتشكيل لجنة تحقيق برعاية دولية للكشف عن تجاوزات المحتل وجرائمهِ التي يندى لها جبين الإنسانية في عصرنا الحديث وتقديمه للمحاكمة.. ونؤكّد مجدداً بأنّه لنا الحقّ الكامل ولشعبنا في النضال بكلّ السُبل من أجل العودة وطرد المحتل ..

 

سينم محمد:

الرئيسة المشتركة لممثلية مجلس سوريا الديمقراطية في واشنطن

ملاحظة: ماورد في المقال يعبر عن رأي الكاتبة ولا تعبر بالضرورة عن رؤية وموقف مسـد

تنويه: المقال نشر في موقع قناة اليوم بتاريخ 14/4/2020

مجلس سوريا الديمقراطية