في إدلب، حيث تتقاطع ذاكرة الحرب مع قلق الحاضر، تتجدد الأسئلة حول جدوى العنف وقدرته على صناعة مستقبل لسوريا. التصعيد الأخير في شمال وشرق البلاد، وما رافقه من هجمات نفذها قوات الحكومة المؤقتة وتسبب بموجات نزوح جديدة وتجدد الاشتباكات، أعاد فتح جرح لم يلتئم، ورسّخ شعوراً عاماً بأن العودة إلى السلاح تُقوّض ما تبقى من فرص السلام، وتبدد ثقة السوريين بأي مسار انتقالي لا يتكئ على الحوار والتمثيل الشامل.
شهدت مناطق شمال وشرق سوريا منذ الأسبوع الماضي تصعيداً عسكرياً واسعاً، أدى إلى نزوح آلاف المدنيين وتعطّل سبل العيش، وعودة مشاهد الخوف وعدم الاستقرار. هذا التطور لم يبقَ محصوراً جغرافياً؛ إذ انعكست تداعياته على المزاج العام في إدلب، حيث يراقب السكان مسار الأحداث بقلق، مستحضرين تجارب سابقة أكدت أن العنف، مهما تبدلت راياته، لا ينتج سوى مزيد من الانقسام والانهاك الاقتصادي والاجتماعي.
اقرأ/ي أيضاً: عودة داعش.. مخاطر أمنية تتجاوز جغرافيا الشمال السوري
العنف كخيار مسدود
يرى كثيرون في إدلب أن اللجوء المتكرر إلى القوة يعمّق الفجوة بين السوريين. يقول أبو محمد، مدرس لغة عربية من مدينة إدلب:
“استخدام السلاح لا يمنح تفوقاً سياسياً بل يدفع المدنيين الثمن. النزوح يتكرر، والدمار يتوسع، ولا نقترب خطوة واحدة من السلام.”
هذا الشعور يعكس قناعة متنامية بأن استمرار المعارك يبدد قدرة المجتمع على ترميم الثقة، ويُبقي البلاد في حلقة مفرغة من العنف المتبادل.
تآكل الثقة بالحكومة المؤقتة
التصعيد الأخير ألقى بظلاله على صورة الحكومة المؤقتة لدى شرائح واسعة. سميرة العلي، ناشطة مدنية من ريف إدلب، تعبّر عن ذلك بقولها:
“عندما نرى الحلول العسكرية تتقدم على الحوار، نفقد الثقة في أي حكومة تقول إنها انتقالية. الانتقال الحقيقي يبدأ بالإنصات لكل السوريين، لا بإعادة إنتاج منطق الغلبة.”
هذا التآكل في الثقة يضعف فرص أي مشروع وطني جامع، ويغذي المخاوف من أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى محطة صراع جديدة بدل أن تكون جسراً نحو الاستقرار.
اقرأ/ي أيضاً: حكمت حبيب: متمسكون بالحوار الوطني كخيار وحيد لتجنيب سوريا شبح الحرب والانقسام
الحوار الوطني كمدخل إلزامي
في مقابل مشهد السلاح، يبرز صوت يدعو إلى العقلانية. يوسف الحسين، تاجر من مدينة إدلب، يؤكد أن الاقتصاد والسلام وجهان لعملة واحدة:
“لا يمكن أن نعيد تشغيل الأسواق أو نطمئن على مستقبل أولادنا بينما القتال مستمر. نحتاج إلى حوار وطني جاد، وحكومة تمثل الجميع، لتبدأ عجلة الاقتصاد بالدوران من جديد.”
هذا الطرح يربط بوضوح بين وقف العنف، وإطلاق مسار سياسي شامل، وتهيئة بيئة مناسبة لإعادة الإعمار وجذب الاستثمارات.
في إدلب تبدو الرسالة واضحة: العنف يبدد طاقة السوريين على بناء سلام حقيقي، ويقوّض الثقة بأي مسار انتقالي لا يقوم على الشراكة الوطنية. الطريق إلى سوريا مستقرة يمر عبر حوار وطني صادق، وحكومة تمثيلية تتحمل مسؤولية قيادة البلاد في هذه المرحلة الدقيقة، وتضع أسس التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار. وحدها المصالحة الحقيقية، القائمة على الاعتراف المتبادل ووحدة المصير، قادرة على كسر دوّامة الصراع وفتح أفق جديد لوطن أنهكته الحرب، لكنه لم يفقد حقه في السلام.
بلال الأحمد – إدلب









