في ظل حالة التشظي الواضحة على المستويين السياسي والأمني، يفرض الواقع السوري بما يحمله من متغيرات عميقة ضرورة العمل ضمن إطار وطني يستند إلى آلية سياسية جديدة قادرة على النهوض بالمجتمعات. فهذه المجتمعات تواجه تحديات سياسية واجتماعية وأمنية معقدة، ما يستدعي إعادة نظر جدية في هياكل الحكم التقليدية. وفي هذا السياق، تبرز اللامركزية بوصفها أداة فاعلة لتعزيز الديمقراطية وتوسيع المشاركة الشعبية، لا سيما في بيئات تشهد تقلبات حادة كالسويداء. كما أن المعطيات التي سبقت سقوط نظام الأسد كشفت عن قدرة المجتمع في السويداء على ترسيخ حالة سياسية ناضجة، تجلت في أشكال متعددة من العمل السياسي وتفرعاته.
تعيش السويداء اليوم جملة من الهواجس السياسية والأمنية، غير أن ما شهدته في الآونة الأخيرة من تطورات، إلى جانب حالة التهميش السياسي التي مارستها دمشق تجاهها، أفرز نموذجاً في الإدارة الأمنية عكسته التحركات السياسية المحلية، بما في ذلك جهود تبادل الأسرى. ويُعد ذلك مؤشراً على قدرة الفاعلين المحليين على الاضطلاع بأدوار متقدمة، تمكّنهم من المساهمة في رسم مستقبلهم بما يتوافق مع تطلعاتهم واحتياجاتهم.
في هذا الإطار، يقول المحامي والخبير القانوني فادي الشاعر: “ليست اللامركزية مجرد تفويض للسلطات، بل هي تجسيد فعلي لرؤية شاملة تعبر عن حاجة المجتمعات إلى الإنصاف والشفافية والمساءلة”. ويضيف أن تداخل العوامل الإنسانية مع الديناميكيات السياسية يعزز من أهمية فهم هذه الظواهر بعمق، مشيراً إلى أن اللامركزية كاستراتيجية سياسية تعكس تحولاً جوهرياً في مفهوم الإدارة الحكومية، وتمثل فرصة حقيقية لتفعيل الديمقراطية المحلية وتعزيز المشاركة المجتمعية. ويرى الشاعر أن هذا التحول في حالة السويداء جاء استجابة لضرورة التكيف مع احتياجات المجتمع المحلي، حيث لم تعد اللامركزية مجرد إجراء إداري، بل تعبيراً عن تطلعات شعبية نحو العدالة والشفافية في إدارة الموارد.
اقرأ/ي أيضاً: داعش واستراتيجية البعث من جديد: تحديات أمنية تهدد المشهد السوري
ويؤكد الشاعر أن انتقال اللامركزية من مطلب محلي إلى ضرورة وطنية يعكس مستوى متقدماً من النضج السياسي في الوعي العام، حيث بات الأفراد أكثر إدراكاً لدور الفاعلين المحليين في رسم السياسات وتحديد الأولويات. ويشير إلى أن اللامركزية لم تعد مجرد أداة للحكم، بل تحولت إلى وسيلة لتعزيز الهوية المحلية وتعميق الشراكة بين الدولة والمجتمع، بما يعزز الشعور بالانتماء الوطني من خلال تقليص الفجوة بين السلطة والمجتمع وإتاحة مشاركة أوسع وأكثر فاعلية.
وعن عملية تبادل الأسرى بين دمشق والسويداء، يقول الشاعر: “إنها تجسد التطبيق العملي والدقيق لمبادئ التنسيق اللامركزي”، موضحاً أن هذه العملية تعكس قدرة الأطراف المعنية على تجاوز الانقسامات والتوترات، وتؤكد أهمية التواصل المفتوح وبناء الثقة رغم الظروف الصعبة. ويرى أن هذا النوع من التعاون قد يشكل مدخلاً لتفاهمات أوسع، تمتد إلى الملف السياسي، وربما تفتح الطريق أمام تطبيق اللامركزية بصيغتها الوطنية الشاملة.
ويضيف الشاعر أن القدرة على التعاون بين الفاعلين، محلياً ووطنياً، تعزز من فعالية إدارة الأزمات، وأن ترسيخ هذه الروابط يسهم في بناء جسور الثقة، ويدفع المجتمعات إلى تبني مبادرات تعكس تطلعاتها وتساعدها على تجاوز تحدياتها.
ويختم الشاعر حديثه بالقول: “إن ترسيخ اللامركزية في السويداء ليس مجرد مطلب إجرائي، بل رؤية استراتيجية تهدف إلى تحقيق زخم حقيقي نحو التغيير على المستوى الوطني، ويمكن أن تشكل نموذجاً قابلاً للتعميم، يوازن بين الاحتياجات المحلية والتوجهات الوطنية، ويعزز المساءلة والتنمية المستدامة بما يتوافق مع الخصوصية الثقافية والاجتماعية للمجتمع”.
من جانبه، يشير هيثم شاكر، الخبير في منظمات المجتمع المدني من السويداء، إلى أن ملف تبادل الأسرى يؤكد بوضوح إمكانية تحقيق تنسيق لامركزي فعّال بين المركز والأطراف. ويقول إن هذه العملية أثبتت قدرة الفاعلين المحليين على التفاوض والتعاون بشكل مؤثر، كما أنها قد تمهد لفتح قنوات حوار في ملفات أخرى. ويضيف أن الأهم هو أن هذا التنسيق، رغم التوتر، يدل على إمكانية تحريك المسارات السياسية حتى في أكثر الظروف تعقيداً.
اقرأ/ي أيضاً: المرأة السورية بين الإقصاء السياسي والطموح الدستوري: أصوات تطالب بشراكة حقيقية
ويؤكد شاكر أن اللامركزية تمثل عنصراً حيوياً في تمكين المجتمعات من إدارة شؤونها بكفاءة، مشدداً على أن نتائجها ستكون ذات طابع وطني جامع، لأن السوريين يمتلكون القدرة على ترسيخ هذا المفهوم. ويشير إلى أن النقاش حول اللامركزية في السويداء لا يتوقف، رغم الضغوط المعيشية، وأن هناك توافقاً متزايداً على اعتبارها نموذجاً لسوريا المستقبل، وهو ما يعكس ارتفاع مستوى الوعي بأهمية المشاركة في صنع القرار.
ويضيف شاكر: “إن القدرة على التنسيق خارج الأطر المركزية تبرز أهمية وجود سلطات محلية قادرة على اتخاذ القرار بفعالية”، موضحاً أن اللامركزية تعزز الاستقرار السياسي والأمن المجتمعي، وتفتح آفاقاً جديدة للحوار، وتسهم في بناء الثقة بين مختلف الأطراف، بما ينعكس إيجاباً على مجمل العملية السياسية.
في ضوء ذلك، يتضح أن توجه السويداء نحو اللامركزية يعكس رغبة جدّية في بناء نموذج سياسي جديد يتجاوز الأطر التقليدية. كما أن هذا التحول يبرز الحاجة إلى تبني استراتيجيات مرنة تمكّن المجتمعات من استثمار مواردها وتعزيز العلاقة بين المواطن والسلطة. وعليه، تبدو اللامركزية اليوم خياراً ضرورياً لإعادة تشكيل الحياة السياسية على أسس أكثر توازناً، بما يجعلها ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار وبناء مستقبل وطني أكثر تماسكاً.
عمر صحناوي – السويداء









