لا يمكن فهم التحولات السياسية التي تشهدها سوريا اليوم من دون إعادة النظر في طبيعة العلاقة التي حكمت المجتمع والدولة خلال العقود الماضية. وفي هذا السياق، يحتل الساحل السوري موقعاً محورياً في النقاش حول مستقبل البلاد، ليس بوصفه مساحة جغرافية فحسب، بل باعتباره إحدى البيئات التي تأثرت بعمق بسياسات النظام السابق، وأسهمت ظروفها في تشكيل جانب من المشهد السوري. واليوم يبرز سؤال أساسي: هل يستطيع الساحل، بعد هذه التحولات، أن يعيد تموضعه بوصفه فضاءً للمشاركة الوطنية، بعيداً عن إرث الاستقطاب والخوف؟
ويتجاوز هذا السؤال الخطابات الإعلامية المبسطة، فمدن الساحل، من اللاذقية إلى جبلة وطرطوس، تمتلك تاريخاً طويلاً من التعدد والتفاعل الاجتماعي، إلا أن هذا الإرث يواجه اليوم تحديات كبيرة في ظل التحولات السياسية، وسط تساؤلات حول قدرة المجتمع المحلي على الاندماج في المرحلة الجديدة من دون الوقوع بين العزلة أو التمثيل الضيق.
اقرأ/ي أيضاً: السويداء بين تعقيدات الأزمة وتعثر الإصلاح السياسي والاقتصادي
ويرى الناشط السياسي والمعتقل السابق في سجون النظام، نضال سلامة، أن ما يمر به الساحل اليوم ليس مجرد أزمة آنية، بل نتيجة تراكمات سياسية امتدت لعقود. ويقول: “عندما نتحدث عن الساحل السوري فإننا لا نتحدث عن جغرافيا فقط، بل عن فضاء سياسي محمّل بتاريخ من التوترات الاجتماعية التي أدارها النظام السابق بعناية. أنا من اللاذقية، وعشت سنوات الاعتقال في سجون النظام، وحتى اليوم أجد نفسي، كما كثير من السوريين، أمام سؤال وجودي: هل يعني سقوط الأسد تلقائياً انفراجاً في البنية الاجتماعية للساحل أو لسوريا عموماً؟”.
ويضيف سلامة أن الإجابة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه، موضحاً أن النظام السابق لم يعتمد على القمع الأمني وحده، بل عمل على إنتاج هوية سياسية قائمة على الخوف المتبادل، وربط جزءاً كبيراً من المجتمع بمنطق الحماية والولاء. ويشير إلى أن التهميش السياسي والاقتصادي حرم المدن الساحلية من المشاركة الفعلية في صنع القرار، وحوّلها إلى مناطق تعتمد بصورة شبه كاملة على الدولة المركزية.
ويعتبر سلامة أن تآكل مقومات الصمود المجتمعي لم يكن نتيجة طبيعية، وإنما حصيلة سياسات طويلة أضعفت قدرة المجتمع على تنظيم نفسه. ويقول إن غياب الإصلاح السياسي حوّل المجتمع من فاعل سياسي إلى مجتمع يعتمد على التوزيع الأمني والاقتصادي، مضيفاً أن الصورة التي رُسمت عن استقرار الساحل كانت تخفي هشاشة عميقة تشبه “سطح البحر الهادئ فيما تضطرب التيارات في الأعماق”.
ويؤكد أن المرحلة الحالية تفرض تحدياً مضاعفاً يتمثل في إعادة بناء النسيج الوطني عبر إصلاح سياسي حقيقي، لا يقتصر على تعديلات شكلية، وإنما يشمل إعادة توزيع السلطة والموارد وتعزيز المشاركة. ويضيف: “الساحل يحتاج إلى مصالحة مجتمعية حقيقية تبدأ بالاعتراف بأن سنوات الصمود كانت، في جانب منها، صموداً فرضته سياسات الخوف والاستبعاد”. ويحذر في ختام حديثه من أن غياب آليات التوافق سيدفع المجتمعات إلى الاحتماء بالهويات الأولية، مؤكداً أن الساحل قادر على أن يكون مساحة للانفتاح إذا توفرت إرادة سياسية تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس الشراكة.
من جانبه، يرى الصحفي والناشط السياسي حسن العبودي، من مدينة جبلة، أن ما يواجهه الساحل اليوم يتجاوز الأزمة الاقتصادية أو الأمنية، ليطرح سؤالاً يتعلق بكيفية بناء الدولة في مرحلة ما بعد الاستبداد. ويقول إن النظام السابق أنشأ شبكة واسعة من التبعيات الاقتصادية والاجتماعية، جعلت من مدن الساحل، ولا سيما المدن المتوسطة مثل جبلة، نموذجاً لمنظومة تقوم على الولاء مقابل الحماية، حيث ارتبط الأمن وفرص العيش بالامتثال السياسي.
ويضيف العبودي أن ما يوصف اليوم بتآكل مقومات الصمود المجتمعي هو في جوهره انهيار لتلك المنظومة. ويوضح أن سقوط النظام لم يؤدِ فقط إلى انهيار السلطة السياسية، بل إلى تفكك البنى التي اعتمد عليها كثير من الناس في حياتهم اليومية، ما خلق حالة من الضبابية بسبب غياب بديل سياسي ومؤسسي واضح.
اقرأ/ي أيضاً: حماة بين الانهيار المعيشي وانسداد الإصلاح السياسي
ويشير إلى أن استمرار غياب آليات الإصلاح يفتح المجال أمام تفكك التماسك الاجتماعي وتصاعد الخطابات المنغلقة على الهوية، إلى جانب ضعف المؤسسات المدنية القادرة على استيعاب المجتمع وإعادة تنظيمه. لكنه يؤكد أن ذلك لا يعكس فشلاً في المجتمع الساحلي، بل هو نتيجة طبيعية لإرث طويل من الإدارة القائمة على العزل والتبعية.
ويختم العبودي بالتشديد على أن أي عملية إنقاذ حقيقية يجب أن تبدأ بإصلاح سياسي ينطلق من القاعدة الاجتماعية، من خلال تمكين المجتمعات المحلية، وتوسيع الحريات العامة، وفتح مساحات للحوار بين الساحل وبقية المناطق السورية. ويؤكد أن الساحل جزء أصيل من سوريا، وأن تجاهله في أي عملية إصلاح سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمات نفسها.
وتشير مجمل الآراء إلى أن التحول السياسي لا يقتصر على تغيير السلطة، بل يمثل عملية اجتماعية طويلة تستدعي إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وكذلك بين مكونات المجتمع السوري نفسها. وفي هذا الإطار، يواجه الساحل تحدياً لا يتعلق بإعادة الإعمار المادي فقط، بل بإعادة بناء الحياة السياسية والمجتمعية، بما يسمح بصياغة رؤية وطنية جديدة تستوعب تعقيدات الماضي وتحوّلها إلى أساس لبناء مستقبل أكثر استقراراً.
وفي المحصلة، يبقى السؤال المطروح على السوريين جميعاً: هل يقتصر التحول السياسي على تبديل الوجوه، أم أنه يشكل فرصة لإعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس المشاركة والديمقراطية والتعددية واللامركزية، بما يتيح لجميع المجتمعات التعبير عن مصالحها بحرية والمساهمة في صياغة مستقبل البلاد؟
معن جبلاوي- اللاذقية








