لا تبدو الأزمة التي تعيشها محافظة السويداء مجرد امتداد للأزمة السورية العامة، بل تعكس خصوصية سياسية واجتماعية تكشف جوانب أعمق من طبيعة العلاقة بين السلطة المركزية والأطراف. فالمحافظة، التي يرى كثيرون أنها تعرضت للتهميش خلال المرحلة الحالية، باتت تمثل نموذجاً يعكس التحديات التي تواجه الدولة السورية في إعادة بناء عقدها السياسي، ويطرح تساؤلات تتجاوز المؤشرات الاقتصادية والخدمية إلى جوهر العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين الوعود بالإصلاح وإمكانية ترجمتها إلى سياسات فعلية.
وتبرز في هذا السياق أسئلة تتعلق بمعنى انتماء محافظة إلى دولة لا تزال تبحث عن ملامح هويتها السياسية، وانعكاس ذلك على سكان يجدون أنفسهم بين خصوصيتهم المحلية والانتماء الوطني. وهي أسئلة لا تستهدف الوصول إلى إجابات نهائية بقدر ما تحاول فهم أزمة تتجاوز بعدها الاقتصادي، لتطال قدرة المجتمع على تصور بديل سياسي يضمن المشاركة ويعيد بناء الثقة.
ويلخص الناشط السياسي من السويداء، الدكتور نبيل الصفدي، واقع المحافظة بالقول إن أزمتها لا يمكن اختزالها في مطالب تتعلق بتقرير المصير أو التشاركية السياسية، معتبراً أن السلطة الحالية همشت المحافظة وأحاطتها بخطاب طائفي إقصائي.
اقرأ/ي أيضاً: حماة بين الانهيار المعيشي وانسداد الإصلاح السياسي
ويرى أن السويداء تعيش حالة من التوازن الهش بين سلطة مركزية فقدت جانباً من فعاليتها، وقيادات محلية تفتقر إلى تمثيل سياسي حقيقي، إلى جانب فاعلين اجتماعيين يتحركون خارج الأطر المؤسسية، الأمر الذي أدى إلى تشظي المرجعيات وإضعاف فرص إنتاج إصلاحات حقيقية. ويضيف أن المحافظة، التي عانت من الإقصاء التنموي خلال سنوات حكم نظام الأسد، لم تُتح لها حتى اليوم فرصة صياغة رؤية مستقلة للإصلاح.
ويشير الصفدي إلى أن اقتصاد السويداء لم يكن قائماً على قاعدة إنتاجية بالمعنى التقليدي، بل اعتمد على التحويلات المالية من المغتربين، والتبادل مع المناطق المجاورة، إضافة إلى نشاط زراعي محدود فرضته ظروف شح المياه. ومع انهيار الاقتصاد السوري، لم يكن في المحافظة اقتصاد متماسك ينهار، بل تراجعت آخر مقومات الصمود، لتتحول الأزمة إلى استمرار لحالة من الهشاشة البنيوية التي لم تُعالج حتى الآن. ويؤكد أن أي مقاربة للإصلاح تتجاهل هذه الخصوصية، أو تتعامل مع السويداء وكأنها معزولة عن السياق الوطني، تمثل في جوهرها أزمة وطنية أوسع.
ويضيف أن الأزمة السياسية تشكل الإطار الذي تتفرع منه بقية الأزمات، إلا أن خصوصية السويداء تكمن في أنها تتأثر بالقرارات السياسية من دون أن تكون شريكاً في صناعتها، وهو ما يكرس شعوراً بالعجز عن التأثير ويُفرغ الحديث عن الإصلاح من مضمونه. ويشدد على أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة توزيع الحضور والصوت السياسي، وليس بالاكتفاء بإجراءات إدارية أو اقتصادية محدودة.
من جهتها، ترى المحامية لمى حداد أن المشكلة تبدأ من مفهوم “الإصلاح” ذاته، إذ تقول إن هذا المصطلح تحول، في السياق السوري عموماً وفي السويداء خصوصاً، إلى شعار يُستخدم لتبرير استمرار الواقع القائم، بينما لم يكن الإصلاح في التجربة السورية برنامجاً سياسياً واضحاً، بقدر ما كان وسيلة لتأجيل مواجهة القضايا الجوهرية.
وتعتبر حداد أن ما شهدته السويداء في تموز الماضي لم يكن حدثاً عفوياً، بل جرى بصورة ممنهجة، على حد وصفها، مضيفة أن تلك الأحداث كشفت حدود الخطاب الإصلاحي للسلطة الحالية. وترى أن الاعتقاد بإمكانية بناء شرعية سياسية عبر وعود الإصلاح والتشاركية والاندماج، مع استمرار إقصاء محافظة كاملة عن المسارات الوطنية، يشكل وهماً ستكون له انعكاسات خطيرة على النسيج الوطني السوري.
وتوضح أن السويداء تجسد أحد أبرز التناقضات في الخطاب السياسي الراهن، فهي تُقدَّم رسمياً بوصفها جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني، لكنها تُعامل عملياً كفضاء هامشي. وتؤكد أن هذه الازدواجية تخلق فجوة بين الانتماء الرسمي للدولة والشعور الفعلي بالغربة عن مركز القرار، ما يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة السياسية بدلاً من معالجتها. وترى أن كل محطة سياسية مفصلية تعيد وضع السويداء في موقع الهامش، ليس لأنها تفتقر إلى الأهمية، بل لأن حضورها يثير أسئلة تتعلق بطبيعة الدولة وآليات إدارتها.
اقرأ/ي أيضاً: المرحلة الانتقالية في سوريا… رؤية أهالي حمص لإعادة بناء الدولة
وتختتم حداد بالقول إن معالجة الأزمة تبدأ بالاعتراف بأنها، كما في سوريا عموماً، أزمة في العلاقة بين السلطة والمجتمع، مؤكدة أن أي حديث عن الإصلاح لا يتضمن إعادة بناء هذه العلاقة سيظل محصوراً في إطار المعالجات التقنية. وتضيف أن الإصلاح الحقيقي يقتضي أن تتحول السويداء من موضوع للسياسات إلى شريك في صياغتها، وأن تنتقل من موقع تلقي القرارات إلى المشاركة في صنعها، معتبرة أن ذلك يمثل مطلباً وطنياً يعزز وحدة البلاد ولا ينتقص منها.
وفي المحصلة، تبدو أزمة السويداء تعبيراً مكثفاً عن اختلالات أعمق في بنية العقد الاجتماعي السوري. فتعثر الإصلاحات السياسية والاقتصادية لا يرتبط فقط بضعف الإرادة السياسية، بل أيضاً بطبيعة السياسات التي أبقت الأطراف في موقع المتلقي بدلاً من الشريك. ورغم ما تمتلكه المحافظة من رصيد اجتماعي وثقافي يؤهلها للإسهام في إعادة بناء سوريا، فإنها لا تزال تواجه، وفق الآراء المطروحة، مقاربة سياسية تقوم على الإقصاء أكثر من الشراكة، ما يجعل الأزمة تتجاوز حدود الإدارة والخدمات إلى سؤال أوسع يتعلق بشكل العلاقة المستقبلية بين الدولة والمجتمع، وقيمة المواطنة المتساوية بوصفها المدخل الأساسي لأي إصلاح مستدام.
عمر صحناوي- السويداء








