تعود جغرافيا الشمال السوري إلى واجهة المشهد السياسي والعسكري من جديد، حاملةً معها قلقاً متجدداً لدى السوريين، في ظل ذاكرة مثقلة بسنوات من المعارك العنيفة التي خاضتها قوات سوريا الديمقراطية ضد تنظيم داعش. فبعد الانتصار الذي تحقق على التنظيم وتحجيم خطره، بوصفه تهديداً مباشراً لكل السوريين دون استثناء، تعود اليوم المخاوف بقوة مع الحديث عن تمكن عناصر تنظيم داعش الفرار من السجون التي كانت تحت إدارة قوات سوريا الديمقراطية وانسحبت عنها تحت قصف قوات الحكومة المؤقتة، وتزامن ذلك مع تطورات عسكرية لافتة شهدتها مناطق الرقة ودير الزور، وحالة ضغط عسكري مكثف على “قسد” التي كانت تضطلع بحماية وإدارة تلك السجون، ما يفتح الباب أمام قراءات أعمق تتجاوز الحدث الأمني إلى أبعاده السياسية والاستراتيجية.
هذه التطورات، وإن بدت محصورة في جغرافيا الشمال السوري، إلا أن تداعياتها تتجاوز هذه الحدود لتطال استقرار سوريا برمّتها، وتمتد آثارها إلى دول الإقليم. وهو ما يستدعي قراءة دقيقة من الزاويتين العسكرية والسياسية، لفهم طبيعة هذه التحولات، واستجلاء نوايا الفاعلين، واستشراف المخاطر المحتملة، وصولاً إلى رسم مسارات واقعية لاحتواء هذا التهديد المتجدد.
في هذا السياق، يرى الخبير العسكري محيي الدين شدود أن ما يشهده الشمال السوري يمثل خطراً أمنياً حقيقياً على السوريين جميعاً. ويقول: “في تطورات الشمال السوري الأخيرة، شهدت السجون التي كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية هجمات مركزة ومنسقة من قوات الحكومة المؤقتة، هذه الهجمات أدت إلى إطلاق سراح آلاف المقاتلين التابعين لتنظيم داعش، ولا بد من التأكيد أن هذه العمليات لم تكن عشوائية، بل حملت طابعاً استراتيجياً يعكس تخطيطاً دقيقاً يهدف إلى إضعاف قسد وإعادة إحياء شبح الإرهاب كأداة ضغط سياسي وعسكري. ويضيف شدود: “كخبير عسكري أرى أن هذا الإفراج الجماعي يمثل خطأً فادحاً في حسابات دمشق، لأنه يفتح الباب أمام فوضى أمنية يصعب السيطرة عليها”.
اقرأ/ي أيضاَ: إدلب تخشى عودة الحرب.. خطاب الكراهية يهدد ما تبقى من السلم الأهلي
ويؤكد شدود أن تداعيات إطلاق سراح عناصر داعش تتجاوز حدود الشمال السوري بكثير، لافتاً إلى أن هؤلاء المقاتلين مدربون ولديهم خبرة قتالية، ومن المرجح أن يعودوا سريعاً إلى النشاط المسلح، عبر إعادة التسليح والانتشار في المناطق الصحراوية والريفية الممتدة حتى الحدود العراقية. ويشير إلى أن ذلك سيؤدي إلى تشكيل خلايا هجومية سريعة الحركة، قادرة على تهديد الاستقرار في عموم الجغرافيا السورية، وربما إعادة إشعال جبهات قتال ضد مختلف الأطراف، بما فيها “قسد” والحكومة نفسها.
وعلى المستوى الإقليمي، يحذر شدود من أن الخطر لا يتوقف عند الحدود السورية، موضحاً أن التهديد قد يمتد إلى العراق والأردن ولبنان، سواء عبر هجمات حدودية أو من خلال إعادة بناء شبكات التمويل والتجنيد. ويضيف أن الاستقرار السوري يتعرض اليوم لصدمة حقيقية، مع خطر عودة داعش إلى مساحات واسعة إذا لم يتم التنسيق الأمني بشكل عاجل وفعّال.
سياسياً، يرى شدود أن تهريب عناصر داعش يبدو وكأنه ورقة ضغط متعمدة تستخدمها الحكومة المؤقتة لفرض هيمنة سياسية وأمنية على الشمال السوري، لكنه يحذر من أن هذه المقاربة تحمل تداعيات كارثية. ويقول إن “الإرهاب، عندما يُعاد إطلاقه، لا يميز بين حليف وعدو”، معتبراً أن الاستمرار في هذه السياسة قد يؤدي إلى فقدان دمشق ما تبقى من شرعيتها الأمنية، ويفتح الباب أمام تدخلات خارجية جديدة. ويختم بالقول: “يجب على جميع الأطراف السورية، من دمشق إلى قسد، وبمشاركة الأطراف الإقليمية والدولية، تشكيل تحالف أمني طارئ لاحتواء هذا الخطر، مع إعادة تفعيل الدعم الدولي لضبط الحدود، وإلا فإن سوريا ستدخل في دورة عنف جديدة تهدد المنطقة بأكملها”.
من جانبه، لا يخفي الباحث الأمني سمير جمول هواجسه من طريقة تعامل الحكومة مع ملف الشمال السوري، ولا سيما في ضوء التطورات المتعلقة بهروب عناصر تنظيم داعش من السجون. ويؤكد أن ما جرى يمثل تهديداً بالغ الخطورة ستكون له انعكاسات مباشرة على استقرار سوريا. ويقول جمول إن الشمال السوري شهد تحولاً استراتيجياً خطيراً، حيث أدت الهجمات المركزة لقوات دمشق على سجون قوات سوريا الديمقراطية إلى إطلاق سراح مئات، وربما آلاف، من عناصر التنظيم. ويرى أن هذا الإفراج لم يكن مجرد نتيجة عسكرية طارئة، بل جزء من حسابات سياسية مدروسة تهدف إلى إعادة إنتاج الفوضى الأمنية في الشمال السوري.
اقرأ/ي أيضاَ: السلم الأهلي في درعا.. الركيزة الحاسمة لاستعادة الأمن والاستقرار
ويحذر جمول من أن عودة داعش إلى النشاط تعني إعادة تنشيط شبكاته السرية، وفتح جبهات جديدة في الشرق والوسط السوري، بما يهدد الاستقرار الهش في البلاد. ويضيف أن عودة الإرهاب في هذا التوقيت الحساس تعني فوضى أمنية عارمة، مع خطر تحول داعش إلى قوة متوحشة تستغل حالة التفكك لاستعادة نفوذها.
ويختم جمول بالتأكيد على أن استراتيجية المخاطرة التي اعتمدتها دمشق تجاه الشمال السوري لم تكن صائبة، مشدداً على أن عودة الإرهاب المنظم لن تحقق الاستقرار المنشود، بل ستقوض أي آمال بمصالحة وطنية أو انتقال سياسي مستقر، وتدفع بالمنطقة نحو تصعيد إقليمي واسع. ويرى أن ذلك قد يؤدي إلى عزل دمشق دولياً، وفقدان مصداقيتها كقوة تدعي محاربة الإرهاب.
مجمل هذه الآراء ترسم صورة متكاملة لأزمة الشمال السوري بوصفها حلقة في سلسلة صراعات متداخلة، حيث يتفق الخبراء على أن إطلاق سراح عناصر داعش ليس فشلاً عسكرياً عرضياً، بل خياراً سياسياً محفوفاً بالمخاطر. وفي ظل هذا المشهد، تبدو سوريا أمام مفترق طرق حاسم، بين الانزلاق نحو فوضى أمنية شاملة، أو البحث عن مقاربة عقلانية قائمة على التعاون الأمني والسياسي، تضع مصلحة السوريين واستقرار المنطقة في مقدمة الأولويات.
ضياء العاصي- حماة









