شهدت سوريا خلال الأسابيع الأخيرة تصاعداً خطيراً في خطاب الكراهية والتحريض، الذي تسلّل من منصات التواصل الاجتماعي إلى وسائل الإعلام والنقاشات اليومية، مهدّداً بإشعال فتيل صراعات جديدة في بلد لم يتعافَ بعد من جراح حرب طاحنة امتدت لأكثر من عقد. هذا التصعيد، الذي تحوّل إلى حملات ممنهجة تستهدف مكونات بعينها، لم يكن مجرد تعبير عن خلاف سياسي، بل أصبح تهديداً حقيقياً للسلم الأهلي الهش الذي يحاول السوريون الحفاظ عليه.
في مطلع الشهر الحالي، شهدت مدينة حلب تصعيداً عسكرياً خطيراً حين هاجمت فصائل تابعة للحكومة السورية المؤقتة حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، اللذين يسكنهما مئات الآلاف من المدنيين. الهجوم، أسفر عن سقوط عشرات الضحايا والجرحى من المدنيين، وتهجير أعداد كبيرة من السكان الذين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم.
المنظمات الحقوقية وثّقت انتهاكات خطيرة خلال الهجوم، شملت استهداف أحياء سكنية، وتعطيل الخدمات الأساسية، وحالات نهب وترهيب للسكان. هذه الانتهاكات لم تكن مجرد حوادث معزولة، بل جاءت ضمن مناخ إعلامي متصاعد استخدم لغة التحريض والكراهية، ما جعل المدنيين هدفاً مباشراً لعنف لا مبرر له.
الحوار كبديل
التاريخ السوري القريب يُثبت أن العودة إلى السلاح تبدأ دائماً بلغة الكراهية. حين يُشيطن مكوّن أو تُلغى إنسانية فئة، يصبح العنف مبرَّراً في الوعي العام، وتُقفل أبواب السياسة. الحوار والتفاوض، رغم صعوبتهما وبطئهما، أثبتا أنهما المسار الوحيد القادر على تفكيك النزاعات دون تمزيق إضافي للنسيج الاجتماعي.
اقرأ/ي أيضاَ: السلم الأهلي في درعا.. الركيزة الحاسمة لاستعادة الأمن والاستقرار
في محافظة إدلب، حيث يعيش ملايين السوريين في ظروف إنسانية قاسية، يتابع أحمد الخليل، نازح من ريف حلب، الأحداث بقلق بالغ: “سمعنا عن الهجوم على الشيخ مقصود والأشرفية، وعن التهجير والقتلى. هذا يذكّرنا بما عشناه نحن. المخيمات لم تُصمَّم لسنوات من الانتظار، ولا نحتمل جولة أخرى من الحرب.”
ما حدث في الشيخ مقصود والأشرفية كان يمكن تجنّبه تماماً لو توفّرت آليات حوار محلية فعّالة، ولو امتلك الفاعلون السياسيون والعسكريون الشجاعة لتغليب المصلحة العامة على حسابات ضيقة. الحل العسكري لم ينتج سوى الخراب والمزيد من الضحايا.
رفض الأجندات الخارجية والإصرار على الحلول السورية
رفض الأجندات الخارجية، التي تسعى دائماً لتأجيج الصراعات الداخلية لخدمة مصالحها، والإصرار على الحلول السورية-السورية، ليس شعاراً بل ضرورة لحماية سيادة القرار وكرامة المجتمع. السوريون وحدهم من يجب أن يقرروا مستقبلهم، عبر حوار جاد يحترم التعددية ويضمن حقوق الجميع.
الدكتورة رنا مصطفى، طبيبة تعمل في مستوصف ميداني بإدلب، تربط بين غياب الإعمار والقلق المستمر: “لا توجد بنية صحية مستقرة هنا. مع أي تصعيد عسكري، نخشى انهيار ما تبقى. الانتهاكات التي نسمع عنها في حلب تُخيفنا، لأننا نعرف أن الثمن يدفعه دائماً المدنيون. نحتاج حلولاً سياسية، لا مزيداً من السلاح.”
التحشيد العسكري الذي رافق الهجوم، والخطاب الإعلامي الذي صوّر الأمر على أنه صراع وجودي، نسفا أي فرصة لحل سلمي، وأعادا البلاد إلى منطق العنف الذي دفع السوريون ثمنه الباهظ طوال السنوات الماضية.
إدانة الانتهاكات ودعم الحلول السلمية
إدانة الانتهاكات التي حدثت في الشيخ مقصود والأشرفية، ورفض خطاب الكراهية الذي مهّد لها، ليسا موقفاً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة سياسية لحماية ما تبقى من سوريا. استهداف المدنيين، التهجير القسري، والتحشيد الإعلامي ضد مكونات بعينها، كلها ممارسات تنسف فكرة المواطنة المتساوية وتقوّض فرص الوصول إلى تسوية شاملة.
محمود السالم، عامل إغاثة، يعبّر عن مخاوف السكان في إدلب: “المخيمات ممتلئة، والشتاء قاسٍ. آخر ما نحتاجه هو حرب جديدة بسبب خطاب الكراهية وغياب الحوار. كل السوريين يريدون العودة إلى ديارهم بكرامة، لكن التهجير القسري والعنف لن يحققا ذلك. الحوار وحده يمكنه أن يبني مستقبلاً مشتركاً.”
اقرأ/ي أيضاً: حمص بين هواجس المركزية ورهان اللامركزية في مسار سوريا الجديدة
المطلوب اليوم خطاب مسؤول يعترف بتعدد المجتمع السوري، ويفصل بين الخلافات السياسية وحقوق المدنيين، ويعيد الاعتبار لمنطق التفاوض المحلي والوطني بعيداً عن أي أجندة خارجية. الحل السوري يجب أن يكون سورياً: تفاوض جاد، حوار مستمر، واحترام لحقوق جميع السوريين دون تمييز.
ما حدث في الشيخ مقصود والأشرفية، وما يتردد من عودة شبح الحرب يؤكدان أن سوريا تقف أمام مفترق طرق: إما الانجرار مجدداً إلى دوامة العنف، أو اختيار التهدئة والحوار والاعتراف بالتعددية كمدخل واقعي للاستقرار. ما يحتاجه السوريون اليوم ليس مزيداً من الاصطفاف العسكري، بل لغة تجمع، وسياسة تحمي الأرواح، ومساراً تفاوضياً يضع كرامة الإنسان والمصلحة الوطنية في صلب الحل. التعددية واقع لا يمكن إلغاؤه، والاعتراف بها، ونبذ خطاب الكراهية، ورفض الانتهاكات، هي الطريق الوحيد نحو سلام مستدام يستحقه كل السوريين.
بلال الأحمد – إدلب









